عزيزي القاريء دعنا نذهب إلى حقبة زمنية نعيش فيها الواقع بدول تجُمل أو رياء ، فحقًا نعم ، أنا المتهم الذي لم تُكتب لائحته من مواد القانون ؛ وإنما كُتبت من عيونٍ لا تُحب أن ترى الحقيقة ، ومن ألسنةٍ تُجيد صناعة التُهم أكثر مما تجيد قول الصدق ! .
صُنفت بهذا “أنا المُتهم ” لأنني قُلت «لا» حين كان الجميع يتسابقون إلى قول «نعم» والمُتهم لأنني لم أُجامل على حساب الأخرون ، ولم أُصفّق لمن لا يستحق التصفيق ، ولم أرتدِ قناعًا يرضي هذا ويُغضب ذاك ؛ لأنني أتذكر المواقف جيدًا ، ولا أملك ذاكرةً إنتقائية تمحو الإساءة وتُبقي الجميل ! .
دعونا نتعجب في زمنٍ أصبحت فيه الحقيقة تُهمة ، والوضوح جريمة ، والكرامة غرورًا ، والإستقامة عنادًا ؛ فأصبح أن يجلس الصادق في قفص الإتهام ؛ بينما يقفوا المُتلونون في الصف الأول من الشهود ؛ ياله من عبس ! .
أنا المُتهم ومن الذي وضعني في قفص الإتهام ؟! هو من أخطأ في حقي ثم غضب لأنني لم أنسَى فعلته ، أم من إعتاد أن يجدني متسامحًا طوال الوقت ، حتى تعلمت أن بعض الناس لا يريدون منك أن تكون طيبًا ، بل يريدونك طيبًا معهم فقط ؛ وأن بعضهم لا يحترم صمتك إلا ما دام يخدمه ، فإذا تكلمت بالحقيقة إنقلب عليك وكأنك إرتكبت عدة جرائم ضده ؟! .
ولذا ، يا حضرة القاضي إن كان الوقوف مع النفس جريمة ، فأنا المُذنب ، وإن كانت الكرامة تهمة ، فأنا المُتهم ، وإن كان رفض الظلم تمردًا ، فأنا المُتمرد ؛ وإن كان عدم الإنحناء للوجوه المتبدلة غرورًا ، فدعهم يسمونه غرورًا وتكبرًا فأنا حقًا هذا وذاك ! .
عزيزي القاريء تعلم بأنك لم تُخلق لكونك نسخةً ترضي الجميع ، ولم تعش لتحصل على تصفيق من أناسٍ لا يعرفون من حقيقتك إلا ما يناسب أهواءهُم فقط ؛ وفي نهاية المحاكمة ، لا تطلب البراءة !.
فالبراءة من أفواه من يقوم بظلمك لا تعنيك شيء ، يكفيك أن تخرج من قاعة الإتهام وأنت تعلم جيدًا أنك لم تخُن نفسك تحت أي من المُسميات ، ورغم جميع الإتهامات ، ما زلت واقفًا ، وما دام ضميرك لم يُصدر بحقك حكمًا بالإدانة ، فكُل أحكام الآخرين مجرد ضجيجٍ خارج قاعة الإنسانية ؛ ورُفعت الجلسة ! وللحديث بقية .











































