من «الكانز» إلى «الكنز»..
«الماكينات لا تقطع رزق أحد.. هدفنا أن تصبح القمامة موردًا منظمًا بدلًا من أن تتحول إلى فوضى في الشوارع»
حوار: الكاتب الصحفي هاني عوف
لم تكن ماكينة استرداد زجاجات البلاستيك وعلب «الكانز» مجرد معدة جديدة تظهر في شوارع الدقي، وإنما تحولت خلال أيام قليلة إلى حديث الناس ووسائل الإعلام، بعدما طرحت تجربة مختلفة في التعامل مع المخلفات، تقوم على تشجيع المواطن على تسليم العبوة إلى الماكينة والحصول مقابلها على نقاط وحوافز مالية.
وبدأت التجربة بعدد محدود من الماكينات في مواقع حيوية بالدقي، مع احتساب نقاط للعبوات، تمهيدًا لتقييم التجربة قبل بحث التوسع فيها. وتشير البيانات المنشورة إلى أن الزجاجة البلاستيكية الصغيرة تمنح نقطة، والزجاجة الكبيرة وعلبة الكانز نقطتين، فيما تعادل كل ١٠٠ نقطة ١٠ جنيهات وفق النظام المعلن.
لكن النجاح اللافت للتجربة صاحبه جدل آخر؛ فالعاملون في جمع وفرز المخلفات رأوا أن العبوات القابلة لإعادة التدوير تمثل مصدر دخل أساسيًا لهم، بينما يرى حي الدقي أن الهدف هو مواجهة ظاهرة النباشين والفرز العشوائي الذي يؤدي إلى بعثرة القمامة وتشويه الشوارع.
من هنا جاء هذا الحوار مع المهندس محمد رزق، رئيس حي الدقي، للوقوف على حقيقة التجربة، وأسباب الضجة التي صاحبتها، وما إذا كانت الماكينة ستصبح بديلًا عن العاملين في منظومة النظافة أم جزءًا من منظومة أكبر.
هاني عوف: في البداية.. لماذا تحولت ماكينة واحدة إلى حديث الشارع؟
محمد رزق:
لأن الفكرة ببساطة مختلفة عن الشكل التقليدي للتعامل مع المخلفات. نحن نحاول أن ننقل المواطن من فكرة «ارمي وخلاص» إلى فكرة «تخلّص من المخلف بطريقة صحيحة واستفد منه».
الماكينة تعطي المواطن حافزًا مقابل العبوة التي يقوم بتسليمها، وبالتالي نحن لا نتعامل مع المخلفات باعتبارها شيئًا بلا قيمة، ولكن باعتبارها موردًا يمكن جمعه وإعادة تدويره والاستفادة منه.
والإقبال الذي شهدته التجربة منذ بدايتها كان مؤشرًا إيجابيًا، لكننا ما زلنا في مرحلة التقييم، ولن يكون هناك توسع إلا بناءً على نتائج حقيقية على الأرض.
هاني عوف: لكن هناك من يقول إن الماكينات جاءت لتأخذ «لقمة عيش» النباشين.. كيف ترد؟
محمد رزق:
أقولها بوضوح: نحن لا نحارب أحدًا في رزقه، ولا نستهدف قطع رزق العاملين في منظومة النظافة.
هناك فرق كبير بين عامل يقوم بعمله في إطار منظومة منظمة، وبين ظاهرة النبش العشوائي في صناديق القمامة، والتي تؤدي إلى قلب الصناديق وفرز المخلفات في الشارع وترك ما لا يحتاجه النباش منتشرًا على الأرض.
هدفنا هو القضاء على هذا المشهد، وليس القضاء على العامل أو المتعهد.
وقد أكدنا أكثر من مرة أن متعهدي جمع القمامة والعاملين في المنظومة يمثلون قطاعًا مهمًا ولا يمكن الاستغناء عنه.
هاني عوف: إذن هل الماكينة بديل عن الزبال أو عامل النظافة؟
محمد رزق:
لا. الماكينة ليست بديلًا عن منظومة النظافة بالكامل.
هي وسيلة جديدة لجمع نوع محدد من المخلفات، خصوصًا العبوات البلاستيكية والمعدنية، وتشجيع المواطن على التخلص منها بصورة منظمة.
أما جمع المخلفات من المنازل والأنشطة المختلفة والنقل والتعامل مع باقي أنواع المخلفات، فهذه منظومة متكاملة لها عمال ومتعهّدون وأدوار متعددة.
نحن نريد تطوير المنظومة وليس إلغاءها.
هاني عوف: لكن لماذا تحديدًا استهداف «النباشين»؟
محمد رزق:
لأن المشكلة ليست في الشخص الذي يجمع المخلفات بطريقة منظمة، وإنما في عملية الفرز العشوائي داخل الشوارع.
عندما يقوم شخص بقلب صندوق القمامة والبحث بداخله، فإنه يأخذ ما يريده ويترك باقي المخلفات مبعثرة، وهنا تظهر مشكلة أكبر: روائح، تجمعات قمامة، انتشار المخلفات، وتشويه للمظهر العام.
ولهذا بدأنا أيضًا قبل الماكينات في تجربة صناديق القمامة الهيدروليكية المدفونة تحت الأرض، والتي صُممت بحيث تمنع الوصول العشوائي إلى محتويات الصندوق وتحد من عمليات النبش.
هاني عوف: البعض يرى أن المواجهة الحقيقية ليست مع النباش وإنما مع منظومة اقتصادية كاملة قائمة على المخلفات.. هل تتفق؟
محمد رزق:
أتفق أن الموضوع أكبر من مجرد ماكينة.
المخلفات أصبحت صناعة واقتصادًا، ولذلك لا يمكن التعامل معها بعشوائية.
نحن نحتاج إلى منظومة يكون فيها المواطن، والحي، وشركات النظافة، والمتعهدون، والعاملون في جمع المخلفات، وشركات إعادة التدوير، كلهم جزءًا من الحل.
والتكنولوجيا هنا ليست هدفًا في حد ذاتها، وإنما وسيلة لتنظيم المنظومة.
هاني عوف: وما الذي سيحدث إذا أثبتت التجربة نجاحها؟
محمد رزق:
إذا أثبتت التجربة نجاحها واستمر تفاعل المواطنين معها، فهناك إمكانية للتوسع ووضع الماكينات في مناطق أخرى.
لكننا لن نتخذ قرارًا بالتوسع لمجرد أن الفكرة حققت ضجة إعلامية.
النجاح الحقيقي بالنسبة لنا هو أن نرى شوارع أنظف، ومخلفات يتم جمعها بصورة أفضل، ومواطنًا يشارك، ومنظومة تدوير أكثر تنظيمًا.
وهذا هو المعيار الذي سنبني عليه أي خطوة قادمة.
هاني عوف: هل توقعت أن تتحول التجربة إلى «ترند» بهذه السرعة؟
محمد رزق:
بصراحة، لم يكن هدفنا أن نصنع ترند.
هدفنا أن نحل مشكلة موجودة على الأرض.
لكن عندما تكون هناك فكرة جديدة تمس حياة الناس اليومية، فمن الطبيعي أن تحظى باهتمام كبير، خصوصًا عندما يرى المواطن أنه يستطيع أن يحصل على مقابل نظير التخلص من المخلفات بطريقة صحيحة.
المهم بالنسبة لنا ألا يتوقف الأمر عند الترند، وإنما يتحول إلى سلوك مستمر.
هاني عوف: وماذا تقول للعاملين في جمع القمامة والفرز الذين يشعرون بالقلق من التجربة؟
محمد رزق:
أقول لهم: لا أحد يريد قطع رزقكم.
نحن نريد أن نتعاون معكم وننظم العمل بصورة أفضل.
والباب مفتوح أمام الحوار مع المتعهدين ونقابة العاملين في جمع القمامة للوصول إلى آلية تحقق هدفين في الوقت نفسه: الحفاظ على نظافة الشوارع، والحفاظ على حقوق العاملين ومصادر رزقهم.
نجاح أي منظومة لن يتحقق بإقصاء طرف، وإنما بتكامل الأدوار.
هاني عوف: في النهاية.. ما الرسالة التي تريد أن تصل للمواطن؟
محمد رزق:
رسالتي بسيطة:
القمامة ليست نهاية القيمة.. وإنما بداية دورة جديدة.
إذا تعلم المواطن أن يضع المخلف في المكان الصحيح، وأن يفصل ما يمكن إعادة تدويره، وأن يتعامل مع الشارع باعتباره جزءًا من بيته، فسوف تتغير الصورة بالكامل.
والماكينة مجرد خطوة ضمن خطوات أكبر نعمل عليها لتطوير منظومة النظافة في الدقي.
نحن نريد أن يرى المواطن شارعًا نظيفًا، وخدمة أفضل، وتكنولوجيا تخدمه، وفي الوقت نفسه منظومة اقتصادية تستفيد من إعادة التدوير بدلًا من أن تظل المخلفات مصدرًا للفوضى.
وفي النهاية..
ما يحدث في الدقي يتجاوز فكرة «ماكينة للكانز».
فالتجربة تفتح نقاشًا أوسع حول مستقبل منظومة المخلفات في مصر: هل يمكن للتكنولوجيا أن تقلل من الفوضى دون أن تضر بأصحاب المهن المرتبطة بجمع وفرز المخلفات؟ وهل يمكن تحويل المواطن نفسه إلى شريك في عملية النظافة وإعادة التدوير؟
الإجابة لن تحسمها التصريحات، وإنما ستحسمها نتائج التجربة على أرض الواقع.
وإذا نجحت التجربة، فقد لا يكون «الكانز» مجرد عبوة فارغة بعد اليوم، وإنما جزءًا من منظومة جديدة ترى في المخلفات قيمة اقتصادية وبيئية تستحق أن تُدار بطريقة أكثر ذكاءً وتنظيمًا.









































