بقلم : د. محمد جمال الدين
لم يكن المسرح في جوهره مجرد محاكاة أرسطية للواقع، بل هو الطقس الأعظم الذي تستعيد فيه الروح الإنسانية جذرها الكوني، وتتأمل من خلاله ذاتها في مرآة الزمان والمكان، وحين يلتقي التراث الفرعوني العريق بروائع التربية المسرحية الواعية، تتحول الخشبة إلى معبد مقدس تتجسد فيه أزلية الوعي البشري وصراعه الأبدي ضد الفناء.
وفي هذا السياق الفني الرفيع، يبرز عرض «المضيف الأبدي .. ملحمة الذهب والخلود» الذي قدمته مدرسة النيل المصرية الدولية بالشيخ زايد، ضمن فعاليات المهرجان القومي للمسرح المصري على مسرح السعيدية، كأيقونة جمالية ومعرفية تستنطق الحجر والذهب، وتعيد كتابة أسطورة الفتى الملك “توت عنخ آمون” بمنظور وجودي عميق يربط جراح الماضي بانبثاقات الحاضر وآفاق المستقبل.
تتأسس البنية الدرامية للنص على مفارقة وجودية كبرى، حيث طفل يُطوق بتاج الإمبراطورية قبل أن يكتمل نمو جسده، وملك يُطالب بأن يكون “مشروع إله” في عالم يغلي بالصراعات السياسية والكهنوتية، إذ إن المعالجة الدرامية التي صاغها أحمد شعبان صادق (رئيس قسم اللغة العربية) تتجاوز السرد التاريخي السطحي لتغوص في الأعماق السيكولوجية والفلسفية لشخصية توت عنخ آمون، فالصوت الداخلي للملك وهو يخاطب الجمهور،(يهمسون خلفي بأنني لست طفلاً، بل مشروع إله .. هل سمعت يوماً عن إله يحتاج ضمادة حول قدمه؟)، يمثل ذروة التمرد الوجودي للطفولة ضد حتميات السلطة وقسوة التاريخ.
يتشابك الخطاب الدرامي عبر خمسة مشاهد محكمة البناء، تتدرج بالمتلقي من أزمة التنصيب القسري وصراع الإرادة مع الكهنوت (الوزير “آي” والكاهن الأكبر)، مروراً بديوان المظالم وعدل الضعفاء حيث ينتصر الملك للإنسان البسيط على حساب مصالح المعابد، وصولاً إلى لحظة الفناء البيولوجي والصعود نحو الخلود الأبدي، ليتوج العرض في مشاهده الأخيرة بلقاء رمزي بين الماضي التاريخي، والمتحف المصري الكبير، حيث تقف طفولة المعاصرين مندهشة أمام عظمة الأجداد.
هذه البنائية المحكمة تكرس لمفهوم “التراجيديا المتبصرة”، حيث لا يقف الصراع عند حدود الصراع السياسي، بل يمتد إلى الثنائية الكونية الأزلية، بوصف الفناء الجسدي مقابل الخلود الروحي.
على مستوى الأداء البصري والتشكيلي، نجح العرض في خلق فضاء مسرحي ينبض بروح الحضارة المصرية القديمة دون الوقوع في فخ النقل المتحفي المباشر، فقد تعاون فريق الديكور والأزياء والمكياج، بقيادة د. دينا محمد محسن ودعاء علي عفيفي، في نسج بيئة بصرية غنية بالرموز والدلالات، حيث شكلت الخلفيات الخطاطية والهيروغليفية والعين الواقية (عين حورس) معماراً بصرياً يحيل إلى المقدس والأسطوري، بينما تلقت الأزياء والكتان الأبيض دلالات الطهارة والنقاء المطلق في مواجهة دنس الصراع البشري.
وقد لعب التصميم الحركي والإستعراضات، التي أبدعها المدرب محمد رمضان، دوراً عضوياً في صياغة الإيقاع الدرامي للعرض، إذ تحولت التشكيلات الجماعية للفرقة إلى ترانيم حركية تعكس نبض الشارع المصري القديم وصراع العمال والكهنة، وتكامل هذا الأداء الحركي مع السحر الموسيقي والدرامي للتصوير الصوتي الذي صممه تامر عزمي، ليغلف الفضاء المسرحي بمسحات من الجلال والرهبة، فضلاً عن الإنضباط اللغوي الرفيع والتصحيح الصوتي الدقيق الذي أشرف عليه نخبة من معلمي اللغة العربية كامل محمد كامل، ياسمين مصطفى، جهاد لطفي، عبد الرحمن السعيد، خالد عبد الناصر، وبإشراف د. نجوى أحمد (دراسات اجتماعية) في المراجعة التاريخية، مما ضمن أداءً كلامياً فصيحاً ينبض بالجزالة والبلاغة.
الرؤية الإخراجية جاءت لتتفق مع فلسفة المسرح المدرسي، بلا فلسفة زائدة مفتعلة، فلا مكان للإستعراض الفلسفي أو الدلالات الرمزية، بدل جاء رسم الحركة دال على مجريات الأحداث، يحمل الدلالات اللفظية المنطوقة، ومعبرة عن أبعاد الشخصيات، لذا حملت الرؤية الإخراجية ثراء من الناحية الجمالية والفنية دون إدعاء، كما جاء الأداء التمثيلي منضبط ومؤكد للأحداث الدرامية، بل واتضح الجهد المبذول في تدريب الطلبة على أبعاد الشخصيات، فجاء الأداء التمثيلي متميز إلى حد كبير يحسب لفريق التدريب والإخراج.
إن التجربة المسرحية التي تقدمها إدارة التربية المسرحية بإدارة الشيخ زايد التعليمية، ممثلة في مدرسة النيل المصرية الدولية، تعيد الإعتبار للمسرح المدرسي بوصفه المختبر الحقيقي لبناء الشخصية الوطنية والوجدان الإنساني الناضج، فالصراع الذي يخوضه الطلاب على الخشبة وهم يتقمصون شخصيات الفراعنة ليس مجرد تمرين تمثيلي، بل هو عملية إنصهار وجودي يعيد من خلالها الناشئة إكتشاف جذورهم التاريخية والحضارية، إذ إن المسرح المدرسي، بهذا الفهم الفلسفي العميق، هو الوعاء الحقيقي الذي يتحول فيه التعليم من مجرد تلقين جاف للمعلومات إلى تجربة حياة واعية، تُنمي ملكات النقد، وتغرس قيم العدالة والإنتماء، وتؤكد أن الفن هو الجسر الأسمى نحو التحرر الروحي والفكري.
ما كان لهذا الإنجاز الإبداعي والجمالي أن يبلغ مداه لولا تضافر جهود منظومة قيادية وتربوية واعية تؤمن بأهمية الثقافة والفنون في تشكيل وعي الأجيال القادمة، فقد رعيت هذه التجربة برعاية دقيقة من القيادات التعليمية المتميزة بإدارة الشيخ زايد التعليمية، الأستاذة إيمان محمد حسن (مدير الإدارة)، الأستاذة هيام حمدي (وكيل الإدارة)، د/ وفاء جمال (مدير الخدمات التربوية)، وتوجيه المسرح بالإدارة بقيادة د/ رضا غالب موجه أول التربية المسرحية بالإدارة، والاستاذ محمد الحناوي موجه تربية مسرحية بالإدارة.
كما امتدت مظاهرة الدعم والإحتفاء لتشمل قيادات مديرية التربية والتعليم بمحافظة الجيزة، بقيادة الأستاذة غادة بسيوني موجه عام التربية المسرحية بالجيزة، والأستاذة شيرين رضوان موجه أول مسرح مركزي بالمديرية، والأستاذة هبة إسماعيل مدير مسرح السعيدية، وتحت الإشراف المباشر لمدير المدرسة الاستاذة أميرة شاهين، وتحت إشراف موجه أول التربية المسرحية بالإدارة د/ رضا غالب، لذا تكللت هذه الجهود بعرض استثنائي يستطيع أن يشرف المهرجان القومي للمسرح في دورته الحالية، بعدما قدم على خشبة مسرح السعيدية العريق، ليكون شاهداً على ريادة المؤسسات التعليمية المصرية في صناعة الوعي الجمالي والفني.
في الختام يتركنا عرض «المضيف الأبدي» أمام سؤال الفلسفة الأكبر، وهو هل يموت الإنسان حقاً حين يتوقف قلبه، أم أن الأفعال النبيلة والجمال الخالد هما اللذان يعيدان صياغة الزمان؟، إذ إن رحلة توت عنخ آمون من قسوة الصراع السياسي إلى سكون القناع الذهبي، ومن ضيق المقبرة إلى رحابة المتحف المصري الكبير، هي في حقيقتها تجسيد بليغ لعبقرية الروح المصرية التي لا تعرف الفناء، وعليه فقد أثبتت مدرسة النيل المصرية الدولية بإدارة الشيخ زايد، من خلال هذا العمل الملحمي المشرف الذي أضاء خشبة مسرح السعيدية ضمن فعاليات المهرجان القومي للمسرح، أن المسرح المدرسي حين يُدار بعقول واعية وقلوب تنبض بحب الوطن، فإنه يتحول إلى طقس خلاص جماعي، يورث المجد للأبناء، ويحفر اسم مصر في ذاكرة الأبدية بحروف من ذهب ونور.













































