بقلم الكاتب الصحفي هاني عوف
هناك مسؤول يكتفي بأن تصله التقارير، ومسؤول آخر يفضل أن يرى بنفسه ما تقوله التقارير.
والفارق بين الاثنين ليس في المكتب ولا في الأوراق، وإنما في الميدان.
في الحوامدية، يبدو أن المهندس أمير عباس، رئيس مركز ومدينة الحوامدية، اختار الطريق الأصعب؛ أن يخرج من حدود المكتب إلى تفاصيل الشارع، وأن يتابع الملفات حيث توجد المشكلة، وأن ينظر إلى المدينة من الزاوية التي يراها منها المواطن كل يوم.
فالمدينة بالنسبة للمسؤول ليست مجرد ملفات تحمل أرقامًا، وإنما شوارع ومناطق ومواطنون ومشكلات تنتظر قرارًا يتحول إلى فعل.
ومن هنا يمكن قراءة ما شهدته الحوامدية خلال الفترة الأخيرة من تحرك في عدد من الملفات الخدمية والتنفيذية.
أرقام لا تحتاج إلى مبالغة
في ملف التصالح، أحد أكثر الملفات ارتباطًا بمصالح المواطنين، تم التعامل مع ٥٥٢٢ طلب تصالح، والانتهاء من البت في ٤٩٦٤ طلبًا، بنسبة إنجاز بلغت ٩٨٪.
هذه الأرقام وحدها تقول إن وراءها ساعات طويلة من العمل والمراجعة والمتابعة، خصوصًا أن ملف التصالح لا يتوقف عند ورقة أو توقيع، وإنما يرتبط بحقوق ومصالح مواطنين ينتظرون إنهاء إجراءاتهم.
وفي ملف النظافة، كانت الصورة أكثر وضوحًا على الأرض.
فقد تم رفع ٢٠٠ طن من المخلفات بمنطقة المقابر، والقضاء على نقطة المناولة، إلى جانب تطهير عدد من الترع بالمشاركة المجتمعية.
ولم تتوقف المسألة عند رفع المخلفات، وإنما امتدت إلى دعم أدوات العمل نفسها، من خلال إصلاح ٢٠ صندوق قمامة وتصنيع ٢٥ صندوقًا جديدًا، فضلًا عن إعادة سيارتي مكبس حمولة ٢٠ طنًا إلى الخدمة بعد إجراء أعمال الصيانة اللازمة.
مدينة تُجمّل وجهها
التغيير لا يكون دائمًا في المشروعات الكبيرة فقط.
أحيانًا تبدأ الحكاية من تفصيلة صغيرة يراها المواطن كل صباح.
دهان أكشاك الكهرباء وتنفيذ رسومات جمالية عليها، زراعة الأشجار بمدخل أم خنان، وتهذيب الأشجار بطريق مصر–أسيوط السريع.. كلها خطوات تبدو بسيطة في حجمها، لكنها تصنع في مجموعها صورة أكثر ترتيبًا وجمالًا للمدينة.
فالشارع النظيف والمنظم ليس رفاهية، وإنما جزء من جودة الحياة وشكل المدينة أمام أهلها وزوارها.
والطرق.. ملف لا يحتمل التأجيل
في ملف الطرق، تتواصل أعمال التطوير والرصف في أكثر من موقع.
ومن بين الأعمال تطوير ورصف مدخل أم خنان بطول كيلومتر، واستكمال تركيب بلاط الإنترلوك بعدد من الشوارع، إلى جانب متابعة أعمال التطوير والرصف بطريق أبو صير.
واللافت هنا أن التعامل مع أعمال الطرق لم يكن بمعزل عن مشكلات المرافق، إذ تمت متابعة مشكلات المرافق والصرف الصحي أولًا حتى يمكن استكمال أعمال التطوير بالشكل المطلوب.
وهذه نقطة مهمة؛ لأن الطريق الذي يتم رصفه اليوم ثم يُعاد حفره غدًا بسبب مرفق لم تتم معالجته، ليس تطويرًا كاملًا.
عندما يكون القانون حاضرًا
العمل التنفيذي لا يعني الخدمات فقط، وإنما يعني أيضًا الحفاظ على الانضباط.
وفي هذا الإطار شهدت الحوامدية إزالة مخالفات بناء في المهد، من بينها سوران مخالفان بطريق مصر–أسيوط السريع بمساحتين تقاربان ١٠٠ و١٢٠ مترًا مربعًا، مع اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.
كما شهد شارعا الجمهورية والصحافة أعمال صيانة ورفع مخلفات وإعادة تمهيد ورصف للأجزاء المتضررة، ضمن جهود رفع كفاءة الطرق ورد الشيء لأصله.
المواطن.. من يسمعه؟
ربما يكون هذا هو السؤال الأهم.
لأن المواطن في النهاية لا يعيش داخل الأرقام، وإنما يعيش داخل الشارع.
وعندما يذهب المواطن بشكوى، فهو لا يبحث عن شرح طويل بقدر ما يبحث عن مسؤول يسمعه ويتعامل مع مشكلته.
وخلال أحد لقاءات خدمة المواطنين، استمع أمير عباس إلى ١٧ شكوى، ووجّه بتشكيل لجان قانونية وهندسية لفحص الموضوعات واتخاذ الإجراءات المناسبة، مع التأكيد على المتابعة الشخصية للحالات المعروضة.
وفي قرية الشيخ عتمان، امتدت المتابعة إلى أعمال النظافة ورفع المخلفات، إلى جانب متابعة مشكلة هبوط بالصرف الصحي خلف العطور، مع التوجيه بسرعة التعامل معها والتنسيق مع الجهات المختصة.
وهنا تحديدًا تظهر قيمة الإدارة المحلية؛ عندما تتحول الشكوى من مجرد كلام يُسمع إلى ملف يتم فحصه ثم إجراء يتم اتخاذه.
الحكاية ليست في الصورة.. بل فيما وراءها
قد تبدو كل هذه الملفات متفرقة.
تصالح.. نظافة.. طرق.. صرف صحي.. تشجير.. مخالفات.. شكاوى مواطنين.
لكنها في النهاية ترسم صورة واحدة: مدينة تحتاج إلى متابعة مستمرة في كل تفاصيلها.
والعمل الحقيقي في الإدارة المحلية لا يصنعه قرار واحد، وإنما تصنعه القدرة على متابعة عشرات التفاصيل في الوقت نفسه، وربط الملفات ببعضها، وعدم ترك المشكلة الصغيرة حتى تتحول إلى أزمة كبيرة.
وهنا تأتي أهمية وجود المسؤول في الميدان.
أن يرى الطريق بنفسه.
أن يشاهد مستوى النظافة بعينيه.
أن يسمع شكوى المواطن مباشرة.
أن يتابع تنفيذ القرار بعد صدوره.
وأن يعرف أن النجاح الحقيقي ليس في أن يقول المسؤول «تم»، وإنما في أن يستطيع المواطن أن يقول: «أنا شايف الفرق».
الحوامدية أمام مرحلة جديدة
الحوامدية لديها بالتأكيد الكثير من الملفات التي تحتاج إلى عمل، والكثير من الطموحات التي تتطلب وقتًا وجهدًا.
لكن ما تحقق خلال الفترة الأخيرة في عدد من الملفات يستحق أن يوضع في مكانه الصحيح؛ بعيدًا عن المبالغة، وبعيدًا أيضًا عن تجاهل الجهد المبذول.
فالمدن لا تتغير بين يوم وليلة، وإنما تتغير عندما تتراكم خطوات صغيرة وصحيحة، وتتحول المتابعة اليومية إلى نتائج ملموسة.
ولهذا، فإن تجربة أمير عباس في الحوامدية تستحق أن تُقرأ من زاوية مختلفة:
ليس باعتباره رئيس مدينة يجلس خلف مكتب، وإنما باعتباره مسؤولًا اختار أن ينزل إلى المكان الذي تُختبر فيه كل القرارات.. الشارع.
وفي النهاية، يبقى الحكم الحقيقي في يد المواطن.
هو من يرى الطريق.
وهو من يعيش تفاصيل النظافة والخدمات.
وهو من يتعامل مع ملفات التصالح والمرافق.
وهو من يعرف إن كان هناك تغيير حقيقي أم لا.
وربما تكون أجمل شهادة لأي مسؤول تنفيذي هي أن يجد المواطن أثر عمله أمام عينيه، دون حاجة إلى كثير من الكلام.
فالعمل الذي يصل إلى الشارع.. لا يحتاج إلى من يشرح للناس أنه حدث.
بقلم الكاتب الصحفي هاني عوف









































