بقلم الكاتب الصحفي هاني عوف
في الأحياء الكبيرة، لا يكفي أن يجلس المسؤول خلف مكتبه منتظرًا التقارير، لأن مشاكل الناس لا تنتظر موعدًا، والشارع لا يعرف المجاملات.. إما أن يجد من يتابعه، أو تترك المشكلة تكبر حتى تصبح أزمة.
ومن هنا تأتي تجربة المهندس حامد سلامة، رئيس حي الطالبية، الذي اختار أن يكون حضوره في الشارع قبل أن يكون خلف المكتب، وأن تتحول المتابعة اليومية إلى أسلوب عمل واضح في التعامل مع ملفات النظافة والإشغالات والطرق والمخالفات وشكاوى المواطنين.
فالطالبية ليست منطقة بسيطة؛ إنها واحدة من المناطق الحيوية في الجيزة، وتشهد حركة يومية كبيرة، وهو ما يجعل مهمة رئيس الحي أشبه بعمل لا يتوقف.. شارع يحتاج إلى نظافة، ورصيف يحتاج إلى تحرير، ومخالفة تحتاج إلى مواجهة، ومواطن يحتاج إلى من يسمعه.
وفي ملف إعادة الانضباط للشارع، شهدت الطالبية حملات مكثفة شملت عددًا من الشوارع الحيوية، استهدفت رفع إشغالات وتعديات المقاهي والمحلات، وغلق وتشميع عدد من الأنشطة المخالفة، مع مصادرة المضبوطات واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.
ولم تتوقف المواجهة عند الإشغالات التقليدية؛ فقد جرى التعامل مع أنشطة مخالفة ومخازن ومواقع تستخدم بصورة تضر بالمظهر الحضاري للمنطقة، في محاولة لإعادة الشوارع إلى طبيعتها والحفاظ على حق المواطنين في الطريق العام.
أما ملف النظافة ورفع كفاءة الطرق، فقد كان حاضرًا بقوة في العمل اليومي للحي، من خلال أعمال التجريد ورفع الأتربة والكنس وغسيل الأرصفة ودهان البلدورات، بالتزامن مع إزالة الإشغالات والحواجز، مع استمرار المتابعة حتى لا تعود المظاهر العشوائية مرة أخرى.
وفي شوارع أخرى، امتدت الحملات إلى رفع تراكمات القمامة والمخلفات، وإزالة الإشغالات والحواجز والتعديات على الأرصفة والطرق، بما يساعد على تيسير حركة المواطنين والسيارات وتحسين الصورة البصرية للمنطقة.
لكن العمل الحقيقي لا يقاس فقط بما يتم رفعه من الشوارع، وإنما أيضًا بما يتم الاستماع إليه داخل مكتب المسؤول.
وهنا يأتي ملف التواصل مع المواطنين؛ فقد عقد المهندس حامد سلامة لقاءات جماهيرية لاستقبال المواطنين ومناقشة شكاواهم وطلباتهم، مع توجيه الإدارات المختصة بدراسة الموضوعات ومتابعتها حتى الوصول إلى حلول.
وهذا هو الفارق بين مسؤول يكتفي بأن يسمع المشكلة، ومسؤول يحاول أن يعرف أين وصلت بعد أن يسمعها.
وفي ملف الأسواق والباعة، تظهر زاوية أخرى من الإدارة المحلية؛ فالمطلوب ليس فقط إخلاء الشارع، وإنما الوصول إلى حلول منظمة تحقق الانضباط وتحافظ في الوقت نفسه على مصدر رزق المواطنين، متى كان ذلك ممكنًا.
وهنا تحديدًا تظهر فلسفة الإدارة التي تحتاجها الأحياء..
القانون لا بد أن يُطبق، لكن الإنسان لا بد أن يُراعى.
فالشارع حق للمواطن، والرصيف حق للمشاة، والانضباط ضرورة، لكن معالجة المشكلة لا تعني دائمًا تجاهل الظروف الاجتماعية لمن يعيشون منها.
وفي ملف السلامة العامة، تتعامل أجهزة الحي كذلك مع العقارات والمواقع التي تمثل خطورة على المواطنين، من خلال التحرك واتخاذ الإجراءات اللازمة بالتنسيق مع الجهات المختصة، لأن الحفاظ على حياة الناس يأتي قبل أي شيء.
وهنا ندرك أن رئيس الحي لا يعمل في ملف واحد.
إنه يتعامل يوميًا مع النظافة، والإشغالات، والطرق، والمحال، ومخالفات البناء، وشكاوى المواطنين، والسلامة العامة، والمظهر الحضاري.. وكل ملف منها يحتاج إلى قرار ومتابعة وحضور.
والأهم أن الحملات لا تكون مجرد تحركات موسمية؛ وإنما تحتاج إلى استمرار في المتابعة صباحًا ومساءً، لأن المشكلة التي تعود بعد انتهاء الحملة تعني أن العمل لم يكتمل.
وهنا السؤال الذي يستحق أن يُطرح:
ماذا يريد المواطن من رئيس الحي؟
لا يريد خطبًا طويلة، ولا بيانات مليئة بالكلمات الكبيرة.
يريد شارعًا يستطيع أن يمشي فيه، ورصيفًا لا يحتله أحد، ومخالفة لا تتحول إلى أمر واقع، ونظافة تستمر بعد انتهاء الحملة، ومسؤولًا عندما يذهب إليه المواطن بشكواه يجد من يسمعه ويتابع معه.
وهذه هي قيمة العمل الميداني.
أن يرى المسؤول المشكلة بعينه، لا أن يعرفها من تقرير.
أن يسمع المواطن بنفسه، لا من خلال وسيط.
أن يواجه المخالفة، ثم يتابع ألا تعود مرة أخرى.
ومن يتابع العمل داخل حي الطالبية، يجد أن الحضور في الشارع والمتابعة المستمرة أصبحا عنوانًا مهمًا في التعامل مع الملفات اليومية؛ من النظافة والطرق إلى الإشغالات والمحال وشكاوى المواطنين.
فالمدينة لا تتغير بالقرارات وحدها..
القرار يحتاج إلى رجل ينزل إلى الشارع، يرى بعينه، ويتابع بيده، ويحاسب على ما تم وما لم يتم.
وهنا يمكن قراءة تجربة المهندس حامد سلامة في الطالبية..
رئيس حي يرى أن مكتبه الحقيقي ليس أربعة جدران، وإنما كل شارع يحتاج إلى إصلاح، وكل مواطن لديه شكوى، وكل مشكلة تنتظر قرارًا.
وفي النهاية..
قد ينسى المواطن اسم الحملة، وقد لا يعرف تفاصيل القرار الإداري، لكنه بالتأكيد لن ينسى شارعًا أصبح أكثر انضباطًا، أو رصيفًا عاد للمشاة، أو مشكلة طرق بها على باب المسؤول فوجد من يسمعها.
فالإنجاز الحقيقي ليس أن تقول للناس إنك تعمل..
الإنجاز أن يرى الناس بأنفسهم أثر ما تعمل.
وهنا فقط..
يصبح الشارع شاهدًا على المسؤول، ويصبح المواطن هو صاحب الكلمة الأخيرة.









































