بعض الرجال لا تحتاج أن تسألهم عن حجم المسؤولية التي يحملونها؛ يكفي أن تنظر إلى المكان الذي يعملون فيه لتعرف أن وراء كل شارع حكاية، ووراء كل مشكلة مواطنًا ينتظر، ووراء كل عامل يقف في الشمس ساعات طويلة إنسانًا له بيت وأسرة وحياة، ومن هنا تبدأ حكاية اللواء محمد الضبيعي، رئيس الهيئة العامة للنظافة والتجميل بالجيزة.
فالنظافة في محافظة بحجم الجيزة ليست مجرد سيارة تمر في شارع، ولا عامل يحمل مكنسة، ولا حملة تنتهي بصورة تُنشر في خبر؛ المسألة أكبر من ذلك بكثير، لأنك تتحدث عن محافظة تضم ملايين المواطنين، وعن شوارع ومحاور وميادين وقرى وأحياء، وعن آلاف الأطنان من المخلفات التي يجب أن تتحرك كل يوم، وعن مواطن قد لا يطلب من المسؤول أكثر من شيء بسيط جدًا: أن يستيقظ صباحًا فيجد الشارع الذي يعيش فيه نظيفًا ومحترمًا.
ومن هنا جاءت مهمة اللواء محمد الضبيعي؛ مهمة تبدو للناس بسيطة في عنوانها، لكنها في الحقيقة واحدة من أكثر المهام احتكاكًا بالشارع وبالمواطن، لأن الخطأ فيها لا يختبئ داخل مكتب، وإنما يظهر أمام الجميع، في شارع مزدحم، أو ميدان، أو منطقة سكنية، أو أمام بيت مواطن ينتظر أن تختفي من أمامه تراكمات المخلفات.
واللافت في منظومة العمل أن أحياء الجيزة جرى تقسيمها إلى إدارات وقطاعات نظافة، مع منظومة يومية تتعامل مع كميات ضخمة من المخلفات، بما يجعل الأمر أقرب إلى عملية مستمرة لا تتوقف؛ فكل ما تم رفعه بالأمس سيعود معه العمل من جديد صباح اليوم التالي، وكأن النظافة معركة يومية لا تعرف كلمة «انتهينا».
وربما الرقم وحده كفيل بأن يجعلك تتوقف قليلًا؛ لأن خلف كل طن مخلفات عملية جمع ونقل ومعدات وعمال وسائقين ومشرفين، وخلف كل شارع نظيف ساعات عمل لا يراها المواطن غالبًا، لأن العامل الحقيقي في النظافة يعمل في الوقت الذي يكون فيه أغلب الناس نائمين أو داخل بيوتهم، ويبدأ يومه قبل أن يبدأ الشارع نفسه.
وهنا تظهر قيمة الإنسان الذي يقف خلف المنظومة؛ فالعمل لا يكتمل بالمعدات وحدها، وإنما بالإنسان الذي يقودها، والعامل الذي ينزل إلى الشارع، والسائق الذي يتحرك بالمعدة، والمشرف الذي يتابع، والمسؤول الذي يسمع ويرى ويتخذ القرار.
وهذه نقطة تستحق أن تُكتب وحدها؛ لأنك لا تستطيع أن تطلب من إنسان أن يحافظ على مدينة كاملة نظيفة، وأنت لا تسمع أولًا للإنسان الذي يقف في الشارع من أجل أن يفعل ذلك.
فالعامل الذي يمسك المكنسة في الصباح ليس مجرد رقم في قوة العمل، والسائق الذي يقود سيارة المخلفات ليس مجرد اسم في كشف الحضور، والرجل الذي يقف تحت الشمس ليرفع تراكمات الشارع ليس آلة تعمل ثم تنصرف؛ هؤلاء بشر لهم ظروفهم وأسرهم وتعبهم، وكلما شعروا أن الإدارة تسمعهم وتحترمهم، انعكس ذلك على الشارع الذي يعملون من أجله.
وفي المقابل، لم تتوقف المنظومة عند رفع المخلفات فقط؛ فهناك حملات للتجميل والغسيل والكنس ورفع كفاءة الشوارع والميادين، إلى جانب أعمال التشجير وتطوير المساحات الخضراء وتهذيب الأشجار، لأن المدينة النظيفة ليست فقط مدينة بلا قمامة؛ المدينة النظيفة هي التي تمنح الإنسان شعورًا بأن المكان الذي يعيش فيه له قيمة، وأن الشارع الذي يسير فيه يستحق أن يكون جميلًا، وأن الميدان الذي يمر به كل يوم يمكن أن يكون جزءًا محترمًا من شكل المدينة.
ولذلك أيضًا أصبح التعامل مع شكاوى المواطنين جزءًا أساسيًا من منظومة العمل؛ فحين يشتكي المواطن من تراكم مخلفات أو بؤرة تحتاج إلى تدخل، تصبح قيمة الإدارة في سرعة الاستجابة والوصول إلى المكان ومعالجة المشكلة، لأن المواطن لا يحتاج إلى أن يعرف كل تفاصيل الإجراءات بقدر ما يحتاج أن يرى النتيجة أمام عينيه.
وهنا تحديدًا تصبح النظافة أكثر من مجرد خدمة؛ تصبح احترامًا للمواطن.
أن يشكو المواطن فتسمعه.
أن ترى المشكلة فتتحرك.
أن تصل إلى المكان بدلًا من الاكتفاء بأن تعرف أن المشكلة موجودة.
أن يشعر الإنسان أن صوته لم يذهب إلى فراغ.
وهذا ربما هو المعنى الأهم في أي منصب خدمي؛ لأن المواطن لا يهتم كثيرًا باسم الإدارة التي أرسلت السيارة، ولا يعرف غالبًا اسم المسؤول الذي أصدر التوجيه، لكنه يعرف شيئًا واحدًا: هل اختفت المشكلة أم لا؟
وفي ملف آخر لا يقل أهمية، تأتي مواجهة الفرز العشوائي والنباشين، لأن الحفاظ على نظافة الشارع لا يتوقف عند رفع المخلفات، وإنما يحتاج إلى حماية ما تم إنجازه ومنع عودة الفوضى مرة أخرى، ولذلك فإن الحملات المستمرة والمتابعة الميدانية تصبح جزءًا من الحفاظ على النتيجة، وليس مجرد حملة مؤقتة تنتهي بانتهاء اليوم.
كما شهدت مناطق مختلفة من الجيزة حملات مكثفة لرفع كميات كبيرة من المخلفات والتراكمات، وهو ما يعكس حجم العمل اليومي المطلوب حتى لا تتحول التراكمات الصغيرة إلى بؤر كبيرة يصعب التعامل معها.
لكن بعيدًا عن الأرقام كلها، هناك سؤال أبسط وأهم:
ماذا يعني أن تكون مسؤولًا عن نظافة مدينة؟
يعني أن تكون مسؤولًا عن شيء يراه الناس كل يوم.
يعني أن نجاحك لا يحتاج إلى شرح طويل؛ الشارع نفسه يتحدث عنك.
يعني أن المواطن قد لا يعرف اسمك، لكنه يعرف جيدًا إن كان المكان الذي يعيش فيه أفضل أم لا.
وهنا تصبح المسؤولية ثقيلة، لأن النظافة ليست ملفًا يمكن إغلاقه، وإنما عمل يبدأ كل صباح من جديد، مهما كان ما أنجزته بالأمس.
ولعل هذا ما يجعل حكاية اللواء محمد الضبيعي جديرة بأن تُروى من زاوية مختلفة؛ ليست حكاية مسؤول أصدر تعليمات، وإنما حكاية منظومة تحاول أن تجعل النظافة عملًا مستمرًا، وأن تجعل الشكوى بابًا للتحرك، وأن تجعل العامل جزءًا من منظومة النجاح، وأن تجعل الشارع في النهاية هو الحكم.
فالناس لا تريد مسؤولًا يتحدث عن النظافة.. الناس تريد مسؤولًا يجعلها تراها.
وفي النهاية، يبقى اللواء محمد الضبيعي أمام اختبار يومي لا يعرف المجاملة؛ شارع نظيف يقول إن هناك من عمل، ومشكلة تم حلها تقول إن هناك من استمع، وعامل يشعر أن صوته مسموع يقول إن الإدارة لم تنسَ الإنسان الذي يقف خلف الخدمة.
إلى اللواء محمد الضبيعي، رئيس الهيئة العامة للنظافة والتجميل بالجيزة؛ كل التقدير لمقام المسؤولية، وكل الاحترام لرجل اختار أن تكون مهمته في مكان يراه الناس كل صباح، وأن يكون أثر عمله ظاهرًا في الشوارع والميادين، حيث لا تستطيع الكلمات أن تجمل شيئًا، وحيث يظل الواقع هو الشاهد الأول والأخير.
فالمناصب تمنح الإنسان موقعًا، لكن العمل هو الذي يمنحه قيمة، والمواطن قد ينسى اسم المسؤول، لكنه لا ينسى من جعل شارعًا أمام بيته أنظف، أو أزال عنه مشكلة، أو استمع إلى شكواه، أو أعاد للمكان شيئًا من صورته التي يستحقها.
وفي النهاية، ربما لا تحتاج الحكاية إلى أكثر من حقيقة واحدة: أن الإنسان الذي يعمل من أجل مدينة أفضل لا يحتاج دائمًا إلى أن يتحدث عن إنجازاته؛ يكفي أن ينظر إلى الشارع، فهناك وحده تظهر نتيجة العمل.
بقلم الكاتب الصحفي هاني عوف









































