كتب \ محمد فهمي
كان الناقد قديماً له سمات خاصة ومواصفات تكاد تكون تقليدية ومهذبة بعض الشيء ، لغة قوية ، رجاحة في التحليل والنقد،رجلاً مهيباً، كانت كلمته حُكماً قضائياً. إذا قال عن رواية إنها “ولادة أدبية جديدة” رُفعت إلى السماء، وإذا قال عنها إنها “لغو” دُفنت في مقابر النسيان.
كان النقد وظيفة، وكان الذوق يُصنع في المطابع والمجلات الأدبية الرصينة التي لا يقرؤها إلا الخاصة. كان القارئ العادي مجرد متلقٍ صغير ينتظر ما سيقوله الأستاذ الكبير ليقرر هل سيحب الكتاب أم يكرهه أما اليوم لم يعد هناك أستاذ كبير. هناك فتاة في السابعة عشرة من عمرها، تضع سماعات وردية، وتمسك برواية لا يتجاوز ثمنها خمسين جنيهاً، وتبكي أمام الكاميرا. تبكي لأن البطل مات، أو لأن البطلة خانته، ودمعتها هذه، بكل بساطتها وعفويتها، تفعل ما لم تفعله عشرات المقالات النقدية المحكمة. في أقل من أربع وعشرين ساعة يشاهدها مليون شخص، ويذهب مئة ألف منهم لشراء نفس الرواية ليبكوا مثلها.
حسناً يمكننا الاعتراف الآن أنه قد تغير الناقد. الناقد الجديد لم يعد يملك شهادة دكتوراه في الأدب، بل يملك حساباً على تيك توك وخوارزمية تفهمه أكثر مما يفهمه أستاذه في الجامعة.أنا لا أتحدث هنا عن انحدار الذوق بقدر ما أتحدث عن انتقال كامل للسلطة. سلطة تحديد ما هو أدب جيد وما هو أدب رديء انتقل من النخبة إلى الجمهور، ومن المجلة المتخصصة إلى مقطع فيديو مدته ثلاثون ثانية. وهذا الانتقال ليس بريئاً. الناقد القديم كان يحاكم النص لغوياً وبنيوياً وتاريخياً، كان يسأل: هل اللغة متماسكة؟ هل الشخصيات نامية؟ هل الفكرة جديدة؟ أما الناقدة الجديدة فهي لا تحاكم النص، بل تحاكم شعورها تجاه النص. معيارها الوحيد هو: هل أبكاني؟ هل جعلني أتذكر حبيبي السابق؟
لقد تحول النقد من سؤال عقلي هو “ماذا يقول النص؟” إلى سؤال عاطفي هو “ماذا فعل بي النص؟”. والأخطر من ذلك أن هذه العاطفة أصبحت مُصنّعة. نحن نتوهم أن الفتاة التي تبكي تختار ما تقرأه بحرية، لكن الحقيقة أن هناك آلة ضخمة خلفها تختار لها. خوارزمية التيك توك تعرف أن قصص الحب الموجعة، وروايات الصدمات النفسية، وحكايات البطل الوسيم البارد، هي التي تبقي المراهق ملتصقاً بالشاشة لثانية إضافية. فتدفع بهذا المحتوى. ودور النشر الذكية فهمت اللعبة، لم تعد تبحث عن الأديب الموهوب الذي يمكث خمس سنوات ليكتب رواية، بل تبحث عن القصة التي تصلح لأن تكون ترند، قصة بغلاف ملون جذاب، وعنوان صادم، وعدد صفحات قليل، ولغة عامية بسيطة سهلة الهضم، ومليئة بالاقتباسات التي تصلح لأن توضع على ستوري انستغرام! يا لها من حقيقة مؤلمة لو تعلمون!
لقد أصبح الأدب يُكتب ليُصوَّر، لا ليُقرأ.وهنا تكمن المفارقة الكبرى التي يجب أن نتوقف عندها طويلاً. نحن أمام ديمقراطية زائفة للقراءة. يبدو الأمر وكأن الجمهور أخيراً أخذ حقه وصار هو من يقرر، وهذا جميل في ظاهره. لكن في باطنه، نحن لم نتحرر من سلطة طه حسين لنصبح أحراراً، بل انتقلنا من سلطة النخبة المثقفة إلى سلطة أكثر قسوة وهي سلطة الخوارزمية والترند.
الناقد القديم كان متسلطاً لكنه كان يملك مشروعاً ثقافياً، كان يريد أن يرتقي بك. أما الترند فلا يملك أي مشروع سوى أن يبقيك تشاهد. هو لا يريدك أن ترتقي، بل يريدك أن تستهلك وتتأثر وتبكي وتشتري الكتاب التالي فوراً.من يصنع ذوق القراء الآن إذن؟ لا أحد يصنعه بوعي، الجميع يشارك في صنعه دون وعي. يصنعه مراهق يبحث عن قصة تشبه قصته، وفتاة تبحث عن اقتباس تعبر به عن حزنها، وكاتب شاب فهم أن رواية من مئة صفحة عن الحب المستحيل ستبيعه أكثر من ملحمة فكرية من أربعمئة صفحة، وخوارزمية باردة تحسب كل شيء بالأرقام. لقد مات الناقد بصورته القديمة، لكن النقد نفسه لم يمت، بل تشوه.
تحول النقد من عملية عقلية نقدية إلى عملية استهلاكية عاطفية.هل هذا يعني أن نبكي على أيام طه حسين ونلعن تيك توك؟ لا. لأن الحقيقة أن نقد طه حسين أيضاً كان فيه الكثير من الديكتاتورية والشللية. لكن الحل ليس أن نستبدل ديكتاتورية النخبة بديكتاتورية الترند. الحل أن نخلق نوعاً ثالثاً من النقد. نحتاج إلى ناقد جديد يفهم لغة التيك توك، يعرف كيف يتحدث في ثلاثين ثانية، لكنه يحمل في قلبه همّ اللغة والفكرة والجمال الحقيقي. نحتاج إلى من يبكي أمام الكاميرا، نعم، لكنه يبكي لأن جملة أدبية صاغها الكاتب كانت عبقرية، لا لأن البطل ترك البطلة وسافر. نحتاج أن نعيد للنقد هيبته، إنزاله إلى الشارع وهو يحمل أدواته القديمة معه.









































