
الألعاب الشعبية وسؤال الهوية: قراءة فلسفية في إستراتيجيات الوعي الجمعي
بقلم : محمد جمال الدين
لم تكن “اللعبة” يوماً مجرد تزجية للوقت أو نشاطاً هامشياً في حياة الشعوب، بل هي في جوهرها الأنطولوجي إستعادة للبدء، وممارسة حرة لصناعة المعنى داخل إطار من القواعد الصارمة، وحين تطرح الندوة الدولية عنوانها الموسوم بـ “الألعاب الشعبية والهوية الإنسانية: كلنا نلعب .. كلنا إنسان”، فإنها لا تستدعي الماضي كفلكلور جامد، بل تستنطقه كخزان للقيم، ومنصة لتحقيق التآخي الكوني، إذ إننا هنا أمام محاولة فلسفية جادة لفك شفرات “الهوية” عبر بوابة “اللعب”، بوصفه اللغة العالمية التي تسبق المنطق واللسان، وتوحد البشر تحت راية الإنسانية المشتركة.
ويأتي إنعقاد هذه الندوة تحت مظلة أكاديمية الفنون المصرية، ليعيد التأكيد على الدور الريادي لهذه المؤسسة العريقة، كحاضنة للفكر الجمالي والبحث العلمي الرصين، فأكاديمية الفنون بوصفها قلعة الإبداع في الوطن العربي، تدرك أن صون الهوية يبدأ من دراسة جذورها الشعبية وربطها بالراهن العالمي.
ويتجلى هذا الدور تحت رئاسة الأستاذة الدكتورة نبيلة حسن، التي تتبنى إستراتيجية واعية، تهدف إلى مد الجسور بين التراث الفني والبحث الأكاديمي الدولي، إذ إن إصرار رئاسة الأكاديمية على رعاية مثل هذه المحافل العلمية، يعكس إيماناً عميقاً بضرورة إنتاج معرفة لا تكتفي بتفسير الفن، بل تسهم في صياغة الوعي القومي والإنساني.
وفي القلب من هذا الحراك العلمي، تبرز مجهودات وحدة المؤتمرات والندوات، بإشراف ومقررة الندوة الأستاذة الدكتورة إيمان مهران، إذ إن اختيار محور “الألعاب الشعبية” يعكس ذكاءً بحثياً نادراً، إذ تنقل الدكتورة إيمان مهران الدرس الأكاديمي من الغرف المغلقة إلى فضاءات “الهوية الجماهيرية”، محولة الندوة إلى مختبر لتحليل الرموز والسيميائيات التي تشكل وجدان الطفل والإنسان العربي.
وتطرح الندوة إشكالية فلسفية غاية في الأهمية، وهي كيف يمكن للعبة الشعبية، المنغرسة في خصوصية البيئة المحلية، أن تكون جسراً نحو “الإنسان” بمفهومه الشمولي؟، إضافة إلى تناولاللعب كفعل تحرر، ففي الفلسفة الجمالية، يُنظر للعب كأسمى تجليات الحرية، و”كلنا نلعب” تعني أننا جميعاً نمتلك الحق في ممارسة الوجود بعيداً عن صراعات الأيديولوجيا، حيث تذوب الفوارق الطبقية والعرقية أمام قوانين اللعبة العادلة، مع التأكيد على أن الهوية ليست معطى ثابتاً، بل هي فعل تراكمي، فالألعاب الشعبية هي التي تغرس في الفرد قيم الجماعة، والصبر، والمواجهة، والذكاء الجماعي، وهي عناصر تشكل العمود الفقري للهوية الإنسانية في مواجهة تغول “الرقمنة” وعزلة العالم الإفتراضي.
وعليه فإن الطابع “الدولي” لهذه الندوة يمنحها بعداً سياسياً وثقافياً حيوياً، فهي تؤكد أن مصر، عبر أكاديمية الفنون، لا تزال هي المركز الذي يلتقي فيه الباحثون لتشريح أزمات الهوية العالمية، وتقديم حلول من وحي التراث الإنساني، لذا فإن ندوة “الألعاب الشعبية والهوية الإنسانية” هي أكثر من مجرد تجمع علمي، إنها صرخة أنطولوجية لإستعادة “الإنسان” في زمن التشيؤ، لذا وجب التقدير والشكر لكل من الأستاذة الدكتورة نبيلة حسن والأستاذة الدكتورة إيمان مهران، كونهما وضعتا الأكاديمية في مواجهة مباشرة مع أسئلة الوجود الكبرى.
ختاماً، يبقى “اللعب” هو المساحة التي نكتشف فيها أن ما يجمعنا كبشر أكثر بكثير مما يفرقنا، وحين ترفع الندوة شعار “كلنا إنسان”، فهي تضعنا أمام مسؤولية تاريخية للحفاظ على هذا الإرث الرمزي، ليكون سلاحنا في بناء مستقبل يتسع للجميع، ويحتفي بالتنوع الثقافي كرافد أساسي للوحدة الإنسانية.








































