
كتب : محمد جمال الدين
في يوم تجلت فيه وشائج الصلة بين التراث والحداثة، واحتشدت فيه الرؤى الفلسفية، لتؤكد أن اللعب ليس لهواً عابراً بل هو “فعل وجودي” يصون كينونة الشعوب، اختتمت أكاديمية الفنون اليوم الأربعاء فعاليات الندوة العلمية الدولية “الألعاب الشعبية والهوية الإنسانية”، التي أقيمت بقاعة ثروت عكاشة للمؤتمرات، تحت شعارها العميق “كلنا نلعب.. كلنا إنسان”، إذ كان يوماً علمياً بامتياز، تماهت فيه المناهج الأنثروبولوجية مع الرؤى الإخراجية والسوسيولوجية، لتعيد الاعتبار لمفهوم “الإنسان اللاعب”، بوصفه المختبر الأول لتشكيل الهوية الجماعية.
انطلقت الفعاليات في تمام العاشرة صباحاً بالسلام الجمهوري، حيث شهدت الجلسة الافتتاحية حضوراً لافتاً لـ أ.د. نبيلة حسن، رئيسة أكاديمية الفنون، التي حرصت بمتابعتها الدقيقة على إضفاء زخم رسمي ومعنوي للندوة، وبدأت الفاعليات بكلمة الأستاذة الدكتورة نبيلة حسن رئيس أكاديمية الفنون، تلتها كلمة أ.د. إيمان مهران، المشرف العام على وحدة المؤتمرات ومقرر الندوة، وفي لفتة إنسانية راقية، شهد الإفتتاح “وقفة وفاء” لتكريم القيمة الإبداعية الكبيرة المؤلف والمخرج أ.د. حسام عطا، مخرج مسرحية “لعب ولعب”، تقديراً لدوره في تطويع الموروث الشعبي داخل الفضاء المسرحي.
توزعت أعمال الندوة على أربع جلسات بحثية مكثفة، غاصت في تفاصيل “اللعبة” من منظورات متعددة: فالجلسة الأولى (تجليات المسرح والتربية) برئاسة أ.د. إيمان مهران، ناقشت دور الألعاب في الرؤية الإخراجية (أ.م.د. سماح السعيد)، وتجربة مسرح الشمس لذوي الهمم (الفنانة وفاء الحكيم)، والموازنة بين اللعب الورقي والرقمي (د. فادي النبراوي)، إضافة لمشاركات من السودان (أ.د. محمد آدم وأ.م.د. رجاء موسى) والمغرب (أ.د. رشيد أمحجور) ومصر (د. ناهد الطحان).
أما الجلسة الثانية والتي جاءت بعنوان (سوسيولوجيا اللعب) برئاسة د. تامر يحيي، وتناولت ألعاب الواحات (د. تامر يحيى)، وألعاب أطفال جنوب السودان (أ.د. جاستن جون بيلي)، وذاكرة جنوب لبنان (أ.د. علي بزي)، وفروسية المرماح (سهير يسري)، وألعاب البادية (أبو الفتوح البرعصي)، والتحولات المعاصرة في مصر (أحمد عبد العليم).
أما لجلسة الثالثة وعنوانها (الفنون المرئية والسردية)، برئاسة أ.د. إيمان مهران، حيث استعرض السينما واللعب المخرج أحمد فؤاد درويش، وتوثيق ذاكرة تهامة باليمن (حنان حسن زيد)، وصورة الألعاب الجماعية في فيلمي “الحريف والحريفة” (أ.م.د. نادر رفاعي)، وجدلية الذاكرة (د. ليلى خليل)، والتمثيل السردي (أمل جمال)، وإعادة صياغة الوعي (وسام عادل).
أما الجلسة الرابعة وعنوانها صون الهوية الوطنية، برئاسة د. تامر يحيى، وركزت على إدماج الألعاب في التعليم بتونس (د. صالح بن علي فالحي)، وأسباب اندثار الألعاب للباحث محمد رفعت، وقيم المواطنة (د. ميرفت عادل)، واستمرارية التحطيب (رمضان شهاوي)، والسيرة الشعبية (محمد محمد عبد القادر)، وسيميولوجيا اللعبة للباحث د. محمد جمال الدين أمين.
وفي الجلسة الأخيرة التي ترأستها أ.د. إيمان مهران، قُدمت أوراق بحثية حول تأثير البيئة في إريتريا (خديجة عثمان) ورؤى تنموية لشمال أفريقيا، لتُختتم الندوة بإعلان التوصيات العلمية التي وُصفت بأنها “خارطة طريق” لحماية التراث غير المادي من الإغتراب الرقمي.
وقد بلغت الندوة ذروتها في مراسم التكريم الختامية، حيث قامت أ.د. نبيلة حسن، وأ. د. إيمان مهران بتكريم أبطال عرض “لعب ولعب”، في احتفالية أقيمت بالتعاون مع المنظمة الدولية للفن الشعبي، مؤكدةً أن هؤلاء الفنانين هم الحراس الحقيقيون لذاكرتنا البصرية والحركية.
لم تكن ندوة “الألعاب الشعبية والهوية الإنسانية” مجرد تظاهرة أكاديمية، بل كانت وقفة تأمل في زمن التسارع الرقمي، لتثبت أن اللعبة هي النبض الذي يربط وجدان الطفل بهويته، وأن العودة إلى “البراءة المبتكرة” هي السبيل الوحيد لمواجهة التنميط الثقافي العالمي، فلقد خرجت الأكاديمية اليوم بتوصية ضمنية واحدة، هي أن نلعب لنبقى، ونلعب لنكون إنساناً.











































