بقلم الكاتب الصحفي هاني عوف
هناك أماكن إذا أردت أن تعرف قيمتها، فلا تنظر إلى المسافة التي تفصلها عن العاصمة، وإنما انظر إلى ما تخفيه من إمكانات.
والواحات البحرية واحدة من تلك الأماكن التي تبدو على الخريطة بعيدة، لكنها في الحقيقة قريبة جدًا من فكرة المستقبل.
أرض واسعة، ونخيل، وتمور، وزراعة، وسياحة، وثروات طبيعية، وفرص استثمارية؛ وفي وسط كل ذلك يقف المسؤول أمام سؤال بسيط وصعب في الوقت نفسه:
كيف تتحول الإمكانات إلى حياة أفضل للناس؟
هنا يأتي اسم الدكتور صبري شاكر، رئيس مركز ومدينة الواحات البحرية.
والرجل، لمن يتابع ملف الواحات، لم يتعامل معها باعتبارها مدينة على هامش المحافظة، وإنما باعتبارها منطقة لها خصوصيتها ومشكلاتها وفرصها.
فمنذ سنوات، ارتبط اسمه بملفات تنموية متعددة، بداية من الطرق والرصف، مرورًا بالصحة والخدمات، ووصولًا إلى الاستثمار والتمور وتقنين الأراضي.
والطريق في الواحات البحرية ليس مجرد طريق.
فالطريق هناك يعني أن قرية تقترب من المدينة، وأن المواطن يصل إلى الخدمة بصورة أسهل، وأن سيارة الإسعاف لا تضيع وقتها في مطاردة طريق غير ممهد.
ولهذا كان ملف الطرق حاضرًا بقوة.
فقد شهدت الواحات البحرية أعمال رصف وتطوير لطرق رئيسية ومداخل القرى؛ من بينها رصف طرق بقرى الحيز بطول ٨ كيلومترات، ورصف طريق البئر الشرقي ومدخل بئر عبدالعزيز بطول ٢ كيلومتر. كما شهدت خطط الرصف إنشاء محاور مرورية وتطوير شوارع رئيسية بعدد من القرى.
وفي ٢٠٢٥ استمرت أعمال تطوير شبكة الطرق، ومنها طريق الدائري الأوسطي وطريق أحمد عيد، بطول ١٢٠٠ متر، بهدف تحسين الحركة وربط المناطق السكنية بالخدمات.
لكن المدن لا تعيش بالأسفلت وحده.
فالإنسان الذي يسكن في الصحراء يحتاج إلى طبيب مثلما يحتاج إلى طريق.
ولذلك كان الملف الصحي أحد الملفات المهمة في الواحات البحرية؛ حيث جرى العمل على دعم المستشفى وتوفير تجهيزات طبية، من بينها الأشعة المقطعية وخزان الأكسجين، إلى جانب دعم القوافل الطبية التي تصل إلى الأهالي وتقدم الكشف والعلاج وإجراء العمليات بالمجان.
وهذه ليست رفاهية.
فالواحات البحرية منطقة بعيدة جغرافيًا عن مراكز الخدمات الكبرى، ولذلك فإن وصول الخدمة الطبية إلى المواطن في مكانه ليس مجرد تحسين للخدمة، وإنما هو اختصار لمسافة قد تكون في بعض الأحيان مسألة حياة.
ثم يأتي ملف آخر شديد الحساسية:
أراضي الدولة.
وهنا لا تصبح الإدارة مجرد خدمة للمواطن، وإنما تصبح أيضًا حماية لحق الدولة.
وقد شهدت الواحات البحرية حملات لاسترداد أراضي الدولة والتعامل مع التعديات، كما ارتبطت أعمال المركز بملفات التصالح وتقنين الأوضاع، وهي ملفات لا تحتمل المجاملة؛ لأن القانون حين يطبق يجب أن يطبق على الجميع. وفي ٢٠٢٦ أُعلن عن استرداد وإزالة تعديات ضمن نطاق المدينة، مع متابعة ملفات التصالح وتقنين الأراضي.
أما الاستثمار، فله في الواحات حكاية أخرى.
فالتمور ليست مجرد محصول موسمي؛ إنها واحدة من أهم مفاتيح اقتصاد المنطقة.
ولهذا برزت مشروعات تخزين وتبريد وتجميد التمور، كما طُرحت أفكار لتطوير أماكن ومخازن مخصصة لتجميع المنتجات الزراعية، بما يساعد على رفع القيمة الاقتصادية للمنتج المحلي وتحسين فرص تسويقه.
وهنا تظهر قيمة الإدارة الحقيقية:
أن تنظر إلى النخلة فلا ترى ثمرة فقط، وإنما ترى مصدر دخل وفرصة عمل وصناعة واستثمارًا.
وأن تنظر إلى الطريق فلا ترى أسفلتًا فقط، وإنما ترى حياة تتحرك.
وأن تنظر إلى المستشفى فلا ترى مبنى، وإنما ترى إنسانًا يريد أن يجد الطبيب حين يحتاج إليه.
وفي أحدث متابعة منشورة في يونيو ٢٠٢٦، كانت ملفات التصالح وتقنين الأراضي والاستثمار وتحسين الخدمات في مقدمة الملفات التي ناقشها محافظ الجيزة مع رئيس مركز الواحات البحرية، إلى جانب دعم مستشفى الواحات البحرية بالأطباء، والتعامل مع مشكلات الكهرباء والصرف الصحي، والتوسع في رصف الشوارع ببلاط الإنترلوك.
وهذا يعني أن الحكاية لم تتوقف عند مشروع وانتهى.
فالمدينة التي تريد أن تتقدم لا تستطيع أن تقول: انتهينا.
كل طريق يفتح طريقًا آخر، وكل خدمة تخلق احتياجًا لخدمة أفضل، وكل مشروع يضع المسؤول أمام مشروع جديد.
ولعل أجمل ما في الواحات البحرية أنها لا تزال تحمل تلك المساحة التي تجعل المسؤول أمام فرصة حقيقية لصناعة نموذج مختلف.
فالواحات ليست مجرد مدينة بعيدة في الصحراء.
إنها بوابة للزراعة والاستثمار والسياحة والصناعة، ومنطقة تمتلك من المقومات ما يجعل الحديث عن مستقبلها أكبر بكثير من الحديث عن حاضرها.
وقد وصف الدكتور صبري شاكر الواحات البحرية في حديث سابق بأنها تمتلك إمكانات زراعية وصناعية وسياحية كبيرة، مع وجود مساحات وفرص قابلة للاستثمار.
ومن هنا يمكن أن نفهم الرجل بصورة مختلفة.
ليس المهم أن يكون المسؤول كثير الظهور.
المهم أن تكون الملفات التي يحملها ظاهرة.
فالناس لا تسأل في النهاية: كم اجتماعًا عقدت؟
بل تسأل:
هل الطريق أصبح أفضل؟
هل المستشفى أصبح أقوى؟
هل القرية حصلت على خدمتها؟
هل أرض الدولة عادت للدولة؟
هل المستثمر وجد بابًا مفتوحًا؟
هل محصول الفلاح أصبح له سوق؟
وهذه هي الأسئلة التي يبقى جوابها على الأرض.
الدكتور صبري شاكر.. رئيس مركز ومدينة الواحات البحرية، الذي اختار أن يتعامل مع الواحات لا باعتبارها آخر الطريق، وإنما باعتبارها بداية طريق جديد.
فالواحات البحرية ليست بعيدة عن مصر.
هي فقط تنتظر أن يرى الآخرون ما يراه أهلها كل يوم: أن وراء الصحراء حكاية تنمية لم تُكتب فصولها كلها بعد.









































