نبيل قدري.. حين يصبح الشارع هو مكتب رئيس الحي
بقلم: الكاتب الصحفي هاني عوف
هناك مسؤول يجلس في مكتبه وينتظر التقارير، وهناك مسؤول آخر يرى أن التقرير الحقيقي هو الشارع نفسه.
الأول يعرف ما كُتب في الأوراق، والثاني يعرف ما يحدث عند ناصية الشارع، وتحت العمارة، وبجوار المدرسة، وفي الميدان الذي يمر به الناس كل صباح.
ومن هنا يمكن أن نفهم حكاية المهندس نبيل قدري، رئيس حي الوراق.
الرجل الذي جاء إلى الوراق في مايو ٢٠٢٦، ضمن حركة تنقلات شملت عددًا من القيادات المحلية، لتبدأ أمامه مهمة ليست سهلة في حي له خصوصيته، وله كثافته، وله عشرات الملفات التي تنتظر من يقترب منها لا من يكتفي بالنظر إليها من بعيد.
والوراق ليست حيًا عاديًا.
إنها مكان تتشابك فيه تفاصيل الحياة اليومية مع ملفات النظافة، والإشغالات، والمرور، ومخالفات البناء، والخدمات، وتطوير الشوارع والميادين.
ولهذا فإن أول ما يلفت النظر في تجربة نبيل قدري هو الحضور الميداني.
فالمسؤول في المحليات لا تقاس قيمته بعدد الاجتماعات التي حضرها، وإنما بما يراه المواطن بعد انتهاء الاجتماع.
هل الشارع أصبح أفضل؟
هل الإشغالات تراجعت؟
هل القمامة رُفعت؟
هل الشكوى وصلت إلى المسؤول؟
وهل هناك أحد يتابع حتى النهاية؟
هذه هي الأسئلة التي لا تجيب عنها المكاتب، وإنما تجيب عنها الأرض.
الشارع هو الاختبار الحقيقي
في الإدارة المحلية توجد كلمة صغيرة في عدد حروفها، كبيرة في معناها:
المتابعة.
لأن القرار الذي لا تتم متابعته قد يظل مجرد حبر على ورق.
أما عندما ينزل المسؤول إلى الشارع، ويرى بنفسه، ويسأل، ويوجه، ثم يعود ليتأكد مما تم تنفيذه، فهنا تتحول الإدارة من تعليمات إلى فعل.
وفي الوراق ظهرت هذه الروح في عدد من الملفات.
في النظافة، حملات مستمرة لرفع المخلفات والتراكمات.
وفي الإشغالات، تحركات لإعادة الانضباط إلى الشوارع.
وفي مخالفات البناء، تدخلات لإيقاف المخالفات قبل أن تتحول إلى واقع يصعب تغييره.
وفي التجميل، اهتمام بالميادين والمسطحات الخضراء والتشجير وتحسين الصورة البصرية.
قد تبدو هذه الأعمال في ظاهرها منفصلة.
لكنها في الحقيقة تصنع شيئًا واحدًا:
مدينة يشعر أهلها أن هناك من يتابعها.
٤٨٦٠ طنًا.. رقم يتحدث بنفسه
وفي ملف النظافة تحديدًا، تكشف الأرقام عن حجم الجهد المبذول.
فخلال الفترة من ٢٦ إلى ٣٠ يوليو، أعلن حي الوراق رفع نحو ٤٨٦٠ طنًا من المخلفات والقمامة.
والرقم هنا ليس مجرد رقم في تقرير.
إنه يختصر ساعات عمل، وعمالًا، ومعدات، وحركة مستمرة في شوارع حي مزدحم.
فالقمامة لا تنتظر.
وإذا لم تُرفع اليوم، أصبحت غدًا مشكلة أكبر.
وهنا تصبح المتابعة اليومية ضرورة، لا رفاهية.
المواطن.. صاحب الحق الأول
والإدارة الناجحة لا تبدأ من المبنى الإداري، وإنما من المواطن.
فالمركز التكنولوجي بحي الوراق استقبل مئات المعاملات خلال الفترة الأخيرة، كما شهد لقاء المواطنين استقبال شكاوى وطلبات متنوعة، مع التعامل معها وفق الإجراءات المقررة.
وقد يكون المواطن الذي يدخل مكتب المسؤول لا يريد أكثر من شيء بسيط:
أن يجد من يسمعه.
أن يعرف ماذا يفعل.
أن يشعر أن شكواه لم تُلقَ في درج مغلق.
وهذه النقطة تحديدًا شديدة الأهمية.
لأن المواطن لا يطلب دائمًا المستحيل.
أحيانًا يريد فقط أن يشعر أن هناك دولة تسمعه.
لا مكان للإشغالات في حق المواطن
الشارع ليس ملكًا لأحد.
هذه الجملة تبدو بديهية، لكنها في الواقع واحدة من أصعب قواعد الإدارة المحلية.
فحين تحتل الإشغالات الرصيف، يصبح المواطن مضطرًا إلى السير في الطريق.
وحين تتحول الأرصفة إلى مساحات خاصة، تضيع الوظيفة الأساسية للشارع.
ولهذا جاءت حملات حي الوراق لإزالة الإشغالات والتعديات وإعادة الانضباط إلى عدد من الشوارع، ومنها شارع المعهد الديني.
القصة هنا ليست مجرد إزالة كرسي أو عربة أو إشغال.
القصة هي استعادة حق المواطن في الطريق.
والقانون لا يحتاج إلى صوت مرتفع
هناك فرق بين أن تتحدث عن تطبيق القانون، وبين أن تطبقه بالفعل.
ومخالفات البناء تحديدًا تحتاج إلى سرعة في التعامل؛ لأن المخالفة الصغيرة إذا تُركت، قد تتحول إلى مبنى كامل، ثم يصبح التعامل معها أكثر تعقيدًا.
ولهذا فإن إيقاف أعمال البناء المخالف في بدايتها يمثل جانبًا مهمًا من العمل التنفيذي.
فالوقاية في الإدارة المحلية ليست كلمة طبية.
إنها أحيانًا قرار إداري يوفر على الدولة والمواطن مشكلة كبيرة في المستقبل.
الوراق تتجمل بأهلها
لكن أجمل ما في أي تطوير هو أن يشعر المواطن أنه شريك فيه.
ومن هنا جاءت مبادرة «الوراق تتجمل بأهلها»، التي تقوم على إشراك الشباب والمجتمع المدني وأهالي المنطقة في تحسين البيئة والمظهر العام.
والمعنى هنا أكبر من مجرد حملة نظافة.
فالحي الذي يتجمل بأهله، هو الحي الذي يشعر فيه المواطن أن المكان جزء منه.
وهذا النوع من المشاركة المجتمعية هو الذي يجعل التطوير قابلًا للاستمرار.
لأن الدولة تستطيع أن تنظف.
لكن المواطن هو الذي يستطيع أن يحافظ.
الميدان ليس مجرد ميدان
ميدان الغاز وغيره من مواقع التطوير في الوراق يمثل جانبًا آخر من الصورة.
تطوير الميادين، والتشجير، وتحسين الإضاءة، واللاندسكيب، وإضافة اللمسات الجمالية، كلها تفاصيل قد يراها البعض بسيطة.
لكن المدن لا تتغير بالقرارات الكبرى وحدها.
أحيانًا يبدأ التغيير من رصيف نظيف.
ومن شجرة.
ومن ميدان مضاء.
ومن شارع يستطيع الإنسان أن يمشي فيه دون أن يشعر أن المكان تُرك لنفسه.
وهنا يصبح تجميل المكان جزءًا من تحسين حياة الناس.
المسؤولية الإنسانية لها وجه آخر
المسؤول التنفيذي ليس مجرد توقيع على ورقة.
هو في النهاية إنسان يتعامل مع بشر.
ومن اللفتات التي تستحق التوقف أمامها، الاهتمام بالأطفال من ذوي الهمم، وتنظيم فعالية ترفيهية شارك فيها أكثر من ٢٠٠ طفل.
قد يقول البعض: وما علاقة ذلك بعمل رئيس الحي؟
والإجابة بسيطة:
علاقة الإدارة بالمواطن ليست فقط عندما يطلب رخصة أو يقدم شكوى.
الدولة أيضًا موجودة عندما يحتاج الإنسان إلى اهتمام ورعاية واحتواء.
وهنا تظهر قيمة الجانب الإنساني في العمل العام.
وفي النهاية.. ماذا تقول الوراق؟
أنا لا أحب أن أصف مسؤولًا بأنه «الأفضل» لمجرد أن هناك أخبارًا منشورة عنه.
فالصحافة الحقيقية لا تصنع بطلًا من الكلمات.
الصحافة تضع الوقائع أمام القارئ، ثم تترك له الحكم.
لكن عندما ننظر إلى الصورة كاملة، نجد أمامنا مجموعة من الملفات التي تحرك فيها حي الوراق خلال فترة قصيرة:
نظافة.
إشغالات.
مخالفات بناء.
تجميل.
تشجير.
خدمة مواطنين.
مشاركة مجتمعية.
واهتمام بالجانب الإنساني.
وهنا يصبح السؤال الحقيقي:
هل كل شيء أصبح مثاليًا؟
بالطبع لا.
فوراق اليوم ليست هي ورقة بيضاء، والملفات أكبر من أن تنتهي في أسابيع أو أشهر.
لكن الإنصاف يقتضي أن نقول إن هناك حركة عمل واضحة، وإن هناك مسؤولًا اختار أن يكون موجودًا في الشارع، وأن يتعامل مع الملفات واحدة تلو الأخرى.
وهذه في حد ذاتها بداية تستحق الاحترام.
فالمسؤول لا يُقاس بعدد الصور التي يظهر فيها.
ولا بعدد التصريحات التي يقولها.
وإنما بما يتركه خلفه عندما يغادر المكان.
شارع أفضل.
ميدان أجمل.
شكوى وجدت طريقها.
مخالفة تم إيقافها.
مواطن شعر أن هناك من يسمعه.
هذه هي الأشياء التي تبقى.
وفي النهاية، ربما تكون أفضل شهادة لأي رئيس حي ليست تلك التي تُكتب عنه في الصحف.
بل تلك التي يقولها المواطن وهو يسير في الشارع:
«أيوه.. المكان اتغير.»
وهنا فقط يعرف المسؤول أنه لم يكن مجرد رئيس حي.
بل كان جزءًا من حكاية مكان.
والوراق اليوم أمام مسؤولية كبيرة، وأمام ملفات أكبر، وأمام طموح أهلها في أن يروا حيهم بصورة تليق بهم.
أما المهندس نبيل قدري، فقد اختار أن يبدأ من المكان الأصعب:
من الشارع.
والشارع، كما نعرف جميعًا، لا يجامل أحدًا.
بقلم
الكاتب الصحفي هاني عوف









































