
بقلم د : سوزان دوابه
نحن على أعتاب زلزال ليس كما عرفه الناس، ولكنه زلزال سيهز كيان الإنسان من الداخل. استوعبوا كل كلمة وأدركوا أن القادم هو اختبار واختيار لإصلاح الأرض.
حيث تستقر المجتمعات الإنسانية عبر القرون داخل مساحات آمنة من المفاهيم المتوارثة والتفاسير الجاهزة، حيث يبني الإنسان حوله جدرانا صلبة من المألوف، ويظن مع مرور الزمن أن هذه الهياكل الفكرية والأنماط المعرفية التي نشأ عليها هي الحق المطلق في ذاته، وليست مجرد إدراك أو فهم بشري يحتمل القصور. وفي هذه المنطقة الآمنة، يستكين العقل ويهدأ وجدان الجمع، حتى تأتي المفاصل التاريخية الكبرى كزلزلة تصدم الهياكل لتختبر جوهر الإيمان والتجرد، مذكرة الإنسان بتلك الحقيقة الكبرى التي قررها القرآن في قوله تعالى يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم، لتكون الزلازل الفكرية في الدنيا مصغرا ومختبرا مصيريا لمدى ثبات النفوس أمام الهزات الكبرى التي تفكك كل ما هو مألوف وتضع المرء أمام الحقيقة العارية.
إن التحولات الحقيقية في تاريخ الوعي البشري لا تحدث غالبا بالتدرج الهادئ أو بالوعظ التقليدي، بل تقتضي أدوات أشد عمقا تتمثل في الصدمة المعرفية. فعندما يواجه الإنسان حدثا أو حقيقة تخترق توقعاته المسبقة وتتجاوز القوالب النمطية التي رسمها للواقع، يقع العقل في حالة من الذهول والاضطراب. لكن هذه الزلزلة الروحية والفكرية ليست مجرد إرباك عابر، بل هي طوق نجاة إلهي والأداة الوحيدة الكفيلة بإيقاظ الفطرة الصافية من غفلة الاعتياد، وكسر التكلس الفكري الذي يمنع الإنسان من رؤية الحقائق في صورها المجردة.
وتكمن الخدعة النفسية الأعمق في كل زلزال فكري في عجز العقل الجمعي عن التفرقة بين الحق الإلهي المطلق وبين المنظومة التراثية التي أقيمت حوله. فعندما يضفي المجتمع القداسة المطلقة على التفاسير التاريخية، يصبح الدفاع عن المألوف بحد ذاته دفاعا مجازيا عن الذات والإله في عقيدة الفرد. وفي تلك اللحظات الفاصلة، لا يتحرك المنكرون للحقيقة بنية شريرة ظاهرة، بل يقاتلون بشراسة وهم يعتقدون بيقين أنهم يحرسون عقيدتهم ويحمون الدين، فيقعون في فخ الوهم بالإخلاص حيث تتلخص المأساة في دفاع الإنسان عن موروثه المنطقي وظنه أنه يدافع عن الحق، كما صور القرآن تلك الحالة في قوله تعالى إنهم الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا.
وفي عمق كل انقسام تاريخي أو موقف حرج، لا تكمن الأزمة في قلة الأدلة أو غموض الحقيقة، بل في كبرياء العقل البشري. فالأصل في الاختبار الإيماني يكمن في خضوع العقل لأمر الله وحقيقته، لا في اشتراط الشكل الذي ينبغي أن يتجلى فيه هذا الحق. وعندما اعترض إبليس قدسيا، لم يكن إنكارا لوجود الخالق أو قدرته، بل كان اعتراضا على قالب الأمر وطبيعة المأمور به بحديثه أنا خير منه، متقدما بتصوره المسبق على أمر الواقع المعاين. وهذا الميكانيزم النفسي هو ذاته الذي يتكرر عبر التاريخ؛ فالإنسان حين يضع معايير وشروطا مسبقة لكيفية التغيير أو شكل الحقيقة، فإنه يقع في صنم الأنا الفكرية، وعندما يتجلى الحق بخلاف تصوراته وانحيازاته، تأخذه العزة بالموروث فيرفض الواقع المعاين ليحمي كبرياءه الذاتي.
وأمام كل زلزال يفكك المسلمات، تنقسم البشرية بحسب السنن الكونية الثابتة إلى حزبين ينكشف معهما عمق الفرز الإنساني. يقف في الجانب الأول حزب التسليم والتجرد، وهم أولئك الذين يمتلكون المرونة الروحية والقدرة على خلع الأنا الفكرية أمام الواقع والمشيئة الإلهية، وينطلقون من تجرد كامل للحق أينما دار وكيفما تجلى، متجاوزين حسابات البيئة والمركزية الاجتماعية والارتياح النفسي للمألوف، تماما كحدث الانقلاب اللحظي لسحرة فرعون حين تجلت لهم الحقيقة فخروا ساجدين دون أدنى تردد. وفي المقابل، ينشأ حزب التمسك بالمألوف، وهو الفريق الذي يستمد منطقه من التراكمات التاريخية والارتياح النفسي لليقين المريح، فيرفض الواقع الجديد ويتأول الأدلة تعسفيا لحماية بنك معتقداته وموقفه الاجتماعي والفكري، مشدودا بالمنطق القديم المتمثل في أنهم وجدوا آباءهم على أمة وأنهم على آثارهم مقتدون. هذا الانقسام الحاد ليس مجرد اختلاف في الآراء، بل هو فرز وجودي يتبين فيه من يعبد الحق لذاته ومن يعبد تصوره الخاص عن الحق.
وفي زمن الفتن واختلاط الموازين، لا تصمد المعرفة المجردة ولا الذكاء البلاغي؛ لأن العقل البشري براع في تكييف النصوص واختراع المبررات المنطقية لدعم هواه وانحيازاته. وطوق النجاة الوحيد الذي يمنح الإنسان البصيرة ليس كثرة المعلومات، بل الصدق والإخلاص لله. فالإخلاص والصدق هما المادة الوحيدة التي تجرد النفس من خفايا الكبر، وتمنح القلب فرقانا نورانيا يبصر به الحقائق خلف حجب الموروث والصدمات، كما قرر الحق سبحانه أن من يتق الله يجعل له فرقانا.
لتكون العبرة الأسمى من الاستغراق في فهم الفتن والزلازل الفكرية هي الشروع في تدريب النفس عمليا على التواضع المعرفي والمرونة الإيمانية. إن الاختبار الفعلي لسلامة القلوب لا يكون في لحظات الاستقرار والسكون، بل في القدرة على التجرد الكامل، والتخلي عن شروطنا النفسية وموروثاتنا الفكرية عندما تتجلى الحقيقة، لنكون ممن يعبدون الله على ما يريد، لا على ما تهوى نفوسهم وتمليه تصوراتهم.
انتظروا الاختبار القادم ؟؟؟!!!سيزلزل العروش .









































