
✍️✍️الكاتب: ديمتري بريجع
عندما اعتلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين منصة المؤتمر الثالث والعشرين لحزب «روسيا الموحدة» في موسكو يوم الثامن والعشرين من يونيو (حزيران) 2026، لم يكن يخاطب حزباً انتخابياً يستعد لمعركة الدوما فحسب، بل كان يخاطب الذراع السياسية الأساسية للنظام الروسي في لحظة يعتبرها الكرملين «مصيرية» في تاريخ الدولة. فالمؤتمر الذي جمع نحو أربعة آلاف مشارك، بينهم محاربون قدامى من العملية العسكرية الخاصة و«أبطال روسيا» وحكام أقاليم ووزراء ونواب، لم يكن اجتماعاً حزبياً روتينياً، بل لحظة إعلان سياسي عن انتقال «روسيا الموحدة» من مجرد حزب أغلبية إدارية إلى أداة تعبئة وطنية في زمن المواجهة.
ينبغي قراءة الخطاب على ثلاثة مستويات متشابكة الصراع مع الغرب، والانتخابات البرلمانية المقررة بين الثامن عشر والعشرين من سبتمبر، وإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع والحزب الحاكم. فبوتين لم يوجّه كلمته إلى الناخب الروسي وحده، بل إلى النخبة، والأقاليم، والغرب، والخصوم الداخليين، وإلى البيروقراطية الروسية نفسها. وبهذا المعنى، كان الخطاب وثيقة في إدارة السيادة بقدر ما كان خطاباً انتخابياً.
الخطاب بوصفه إعلاناً عن مرحلة سياسية جديدة
وصف بوتين المرحلة الراهنة بأنها «مصيرية» و«غير مستقرة» لروسيا وللعالم بأسره، واضعاً الاستحقاق الداخلي داخل سياق دولي أوسع تعدّد الأزمات، وانهيار قواعد التعاون القديمة، والعقوبات، والضغط الغربي، ومحاولة عزل روسيا اقتصادياً وتكنولوجياً وثقافياً.
والجدير بالتحليل أن هذه اللغة ليست مجرد بلاغة دعائية، بل تعبير عن عقيدة سياسية تنتظم وفق تراتبية واضحة السيادة أولاً، ثم التنمية، ثم الشرعية الانتخابية. فالانتخابات، في هذا التصور، ليست مصدراً مستقلاً للشرعية، بل امتداد لمشروع الدولة في تثبيت سيادتها تحت الضغط.
وقد قال بوتين صراحة إن روسيا «تقف على قدميها بثبات»، وإنها تملك من القوة والإرادة السياسية ما يكفي لمواجهة محاولات احتواء تطورها، وإنها تعدّل بعض خططها بحسب الظروف من دون أن تتخلى عن أهدافها الاستراتيجية «بالكامل». بهذه الصياغة، يُعاد تأطير الانتخابات بوصفها «مرحلة مهمة لترسيخ الاستقرار» في ظل ما سمّاه «ضغطاً غير مسبوق من النخب الغربية»، لا بوصفها لحظة تنافس مفتوح على السلطة.
الغرب في خطاب بوتين: العدو الخارجي كعامل توحيد داخلي
قدّم بوتين الغرب باعتباره قوة ضغط تسعى إلى إضعاف روسيا، لا عبر ساحة القتال وحدها، بل عبر محاولة زعزعة الاستقرار السياسي الداخلي و«شقّ المجتمع». وقال إن محاولات «زعزعة وحدة روسيا والتشكيك فيها» لم تثمر من قبل ولن تثمر الآن، وإن هذه الوحدة الداخلية «تقضّ مضجع بعض المتربصين». هذه الصياغة ليست جديدة في الخطاب الروسي، لكنها في هذا المؤتمر اكتسبت وظيفة انتخابية مباشرة تحويل الانتخابات البرلمانية إلى استفتاء ضمني على الصمود الوطني، وعلى وحدة الجبهة الداخلية، وعلى استمرار الخط السياسي للدولة.
والأهم أن الخطاب يعيد بناء العلاقة بين المواطن والحزب الحاكم على أساس «المقاومة» لا «الخدمات» وحدها. فحزب «روسيا الموحدة» لم يُقدَّم بوصفه حزباً يرمم المدارس ويبني الطرق ويدعم الأسر فحسب، بل بوصفه خط دفاع سياسي داخل الدولة. وبذلك تتحول الانتخابات من إجراء روتيني إلى جزء من معركة السيادة، حيث يصبح التصويت للحزب فعلاً في الجبهة الداخلية لا مجرد مفاضلة بين برامج.
«روسيا الموحدة» كحزب الرئيس
من أبرز ما كشفه المؤتمر عودة الربط الرمزي المباشر بين بوتين والحزب. ولعلّ أصدق تعبير عن ذلك ملصق رُفع في القاعة حمل عبارة لافتة «أن تكون مع بوتين هو الحد الأدنى الأساسي». فالحزب يستعير رأس المال السياسي للرئيس، وبوتين في المقابل يمنحه شرعية وطنية تتجاوز الأداء المحلي للنواب والبيروقراطية. وقد لخّص الحزب فلسفته الدعائية بشعار «الأفعال الحقيقية هي أفضل دعاية»، في إشارة إلى أن المشروعية ستُبنى على الإنجاز الملموس لا على الوعود المجردة.
ودلالة هذا التحول أن الحملة المقبلة لن تُخاض باسم البرنامج الحزبي وحده، بل باسم الاستمرارية السياسية والاستقرار والسيادة. فحزب السلطة هنا لا يطلب من الناخب أن يقيّم أداءه فحسب، بل أن يصوّت لمصلحة استمرار النظام في لحظة يقدّمها بوصفها لحظة وجودية. هكذا يتماهى الحزب مع الدولة، ويتماهى الاستحقاق الانتخابي مع مسألة بقاء الخط السياسي القائم.
رسالة إلى البيروقراطية: اخرجوا من المكاتب
من أهم رسائل الخطاب دعوة بوتين مرشحي الحزب إلى «الجلوس أقل في المكاتب والتطبيقات، والخروج أكثر إلى الميدان»، بحسب نص كلمته الحرفي. وهي ليست مجرد نصيحة انتخابية، بل نقد مبطّن للبيروقراطية الروسية التي قد تنفصل عن المزاج الشعبي. فبوتين يريد من الحزب أن يتحول إلى جهاز استشعار اجتماعي يلتقط مشكلات المواطنين قبل أن تتحول إلى غضب سياسي أو إلى فجوة بين المركز والأقاليم.
في هذا الجزء، بدا بوتين وكأنه يذكّر حزب السلطة بأن الولاء السياسي لا يكفي إذا فقد الحزب القدرة على سماع المجتمع. فالدولة القوية تحتاج إلى حزب لا يعيش داخل المكاتب، بل داخل الجغرافيا الاجتماعية للناس القرى، والمدن الصغيرة، والعائلات، والمدارس، والمستشفيات، والجبهات، والاقتصاد المحلي. وتكتسب هذه الرسالة وزناً مضاعفاً في ظرف اقتصادي ضاغط، تتقاطع فيه آثار العقوبات مع اختناقات في إمدادات الوقود نتيجة الضربات على المنشآت، ما يجعل قرب الحزب من الناس شرطاً لاحتواء السخط قبل أن يتبلور.
النخبة الجديدة ودمج المشاركين في العملية العسكرية الخاصة
حضر المشاركون في العملية العسكرية الخاصة بوصفهم جزءاً من «النخبة الجديدة»، وقد تصدّر بعضهم قوائم الحزب. وهذا يعكس تحولاً عميقاً في بنية الشرعية داخل النظام الروسي لم تعد النخبة تُعرَّف بالخبرة الإدارية أو المال أو الموقع البيروقراطي وحدها، بل بالمشاركة في «الدفاع عن الدولة» وفق الرواية الرسمية. وقد كرّر بوتين مراراً رغبته في أن يدخل قدامى المحاربين الحياة السياسية بوصفهم نخبة روسيا الجديدة، وهو ما يُترجَم الآن إلى إعادة تشكيل البرلمان المقبل عبر إدخال شخصيات عسكرية وإعلامية وميدانية إلى المؤسسة التشريعية.
لكن قراءة هذا الدمج تحتاج إلى برود سياسي لا إلى حماسة دعائية، فهو يخدم ثلاثة أهداف متوازية الأول تجديد صورة الحزب وربطه بسردية التضحية؛ والثاني امتصاص رأس المال الرمزي للجبهة وتحويله إلى رصيد انتخابي؛ والثالث إعادة توزيع الشرعية داخل النخبة الحاكمة نفسها، عبر فتح بابها أمام فئة جديدة تستمد مكانتها من الميدان لا من الإدارة.
البرنامج الشعبي: من السياسة الكبرى إلى الحياة اليومية
لم يكتفِ بوتين بالحديث عن الغرب والسيادة، بل ربط ذلك بحزمة من الالتزامات الاجتماعية الطرق، والسكن، والمدارس، والوظائف، ودعم الأعمال، والصناعة، والتكنولوجيا، والأسرة، والديموغرافيا. وقد عُرضت على المندوبين كرّاسات من مئتي صفحة عن تنفيذ «البرنامج الشعبي» الخماسي، على أن يُقرّ نصه المحدّث في المرحلة الثانية من المؤتمر في الثاني والعشرين من أغسطس. التوازن هنا مقصود فالدولة في مواجهة كبرى من جهة، لكن يجب ألا يشعر المواطن بأن المعركة الجيوسياسية تبتلع حياته اليومية من جهة أخرى. وقد عبّر بوتين عن ذلك حين جعل «العدالة الاجتماعية» شرطاً للوحدة الوطنية. فالشرعية الروسية في هذه المرحلة تقوم على معادلة مزدوجة الصمود الخارجي زائد الأمن الاجتماعي الداخلي.
وفي هذا السياق تندرج مبادرة تثبيت «المكانة الخاصة للمعلّم» التي أيّدها بوتين، مؤكداً أنها لن تكون شكلية بل ستترجَم إلى امتيازات مكرّسة قانوناً لمن «كرّسوا أنفسهم لواحدة من أكثر المهن احتراماتربية الأجيال الجديدة». والمعلّم في الخطاب الروسي لم يعد رمزاً لقطاع خدمي، بل ساحة لإعادة إنتاج الهوية الوطنية والذاكرة والقيم، ضمن استراتيجية أوسع لبناء جيل جديد مرتبط بفكرة السيادة والانتماء.
الانتخابات كاختبار للنظام السياسي
أكّد بوتين أن الانتخابات ستجري في موعدها ووفق القانون، وأن الدولة ستتخذ كل التدابير لحماية موظفي اللجان الانتخابية والمرشحين والمراقبين والناخبين، ولصون نتائج «إرادة الشعب» من أي تدخل أو تلاعب خارجي. ويحمل هذا الجزء رسالتين رسالة داخلية مفادها أن الدولة مسيطرة وقادرة على تنظيم الاستحقاق حتى في ظرف صعب، ورسالة خارجية بأن الضغط لن يعطّل مؤسسات روسيا.
من هنا يصبح وصف بوتين للانتخابات بأنها «اختبار لقوة النظام السياسي» مفتاحاً لفهم المؤتمر كله. فالاستحقاق ليس تنافساً حزبياً فحسب، بل امتحان لقدرة الدولة على إظهار الاستقرار تحت الضغط، خصوصاً أنه سيجري للمرة الأولى بمشاركة سكان دونباس و«نوفوروسيا»، أي أنه يحمل بُعداً سيادياً وترابياً يتجاوز حسابات المقاعد. بهذا المعنى، يتحول التصويت إلى وسيلة لتثبيت حدود الدولة سياسياً لا إلى مجرد إعادة توزيع للنفوذ البرلماني.
القائمة الانتخابية كمرآة للمرحلة
ليست القائمة الفيدرالية التي أعلنها رئيس الحزب دميتري ميدفيديف عشوائية، بل هندسة سياسية دقيقة لصورة الحزب. فقد تصدّرها المحارب فلاديسلاف غولوفين، أحد المشاركين في معركة ماريوبول ورئيس أركان حركة «يونارميا» الشبابية، بوصفه رمزاً للشباب العسكري والتعبئة الوطنية. وإلى جانبه المراسل الحربي يفغيني بودوبني رمزاً للإعلام الحربي والجبهة، ووزير الخارجية سيرغي لافروف رمزاً للسياسة الخارجية والمواجهة الدبلوماسية، وعمدة موسكو سيرغي سوبيانين رمزاً للإدارة المدنية والنجاح الحضري، وماريا لفوفا-بيلوفا رمزاً للملف الاجتماعي والإنساني.
دلالة هذه التركيبة أن الحزب يقدّم نفسه ائتلافاً داخل النظام الدولة الخارجية، والدولة الاجتماعية، والدولة العسكرية، والدولة البلدية، والدولة التربوية. واللافت أن واجهة القائمة أُسندت إلى محارب ومراسل من الجبهة لا إلى وجوه الإدارة التقليدية، في إشارة رمزية إلى أولوية «النخبة الجديدة» على رأس المال البيروقراطي الموروث. بهذا تتكشف حقيقة أن انتخابات 2026 ليست معركة مقاعد، بل معركة صورة سياسية لروسيا في سنوات المواجهة الطويلة.
الاستنتاجات
يمكن قراءة خطاب بوتين أمام «روسيا الموحدة» بوصفه وثيقة سياسية لمرحلة جديدة مرحلة لا تفصل بين الحزب والدولة، ولا بين الانتخابات والسيادة، ولا بين الجبهة والمجتمع، ولا بين الأمن والتنمية. لقد جرى فيها صهر البلاغة الجيوسياسية بالالتزام الاجتماعي، وربط رأس المال الرمزي للجبهة برأس المال الانتخابي للحزب، وتحويل الاستحقاق البرلماني إلى امتحان لتماسك النظام في لحظة تحوّل عالمي.
في هذا الخطاب، لم يطلب بوتين من «روسيا الموحدة» أن تفوز فحسب، بل أن تتحول إلى بنية سياسية قادرة على حمل عبء الدولة في زمن التحول العالمي. وهذا هو جوهر الرسالة الحزب لم يعد مجرد ماكينة انتخابية، بل أداة تعبئة، ومرآة للنخبة الجديدة، واختبار لقدرة النظام الروسي على تحويل الضغط الخارجي إلى تماسك داخلي.
ديمتري بريجع
باحث ومدير وحدة الدراسات الروسية في مركز الدراسات العربية الأوراسية، محلل سياسي وباحث في الشأن السياسي الروسي.
مصدر المقال: مركز الدراسات العربية الأوراسية








































