
بقلم: ناصر السلاموني
تشهد خريطة التجارة العالمية تحولات متسارعة، لم تعد تحكمها اعتبارات اقتصادية فقط، بل أصبحت رهينة للتوترات الجيوسياسية والصراعات الدولية. وفي قلب هذا المشهد، تقف ممرات حيوية مثل مضيق هرمز وباب المندب كأهم نقاط الاختناق التي يتوقف عليها تدفق الطاقة والتجارة العالمية.
أي اضطراب في هذه المناطق — سواء بسبب التوترات الإقليمية أو التهديدات الأمنية أو سياسات الضغط الاقتصادي التي تمارسها قوى كبرى مثل الولايات المتحدة — ينعكس فورًا على أسعار النفط، ويؤدي إلى ارتفاع تكاليف الشحن، ويهدد استقرار الأسواق العالمية، خاصة في ظل اعتماد دول كثيرة على استيراد الطاقة والسلع الأساسية.
في مواجهة هذه التحديات، ظهرت ثلاثة اتجاهات رئيسية:
أولها تعظيم دور الممرات القائمة، كما تفعل مصر من خلال تطوير منظومة متكاملة حول قناة السويس، بما يعزز قدرتها على استيعاب الأزمات، كما حدث في أزمة سفينة Ever Given.
وثانيها إنشاء ممرات برية بديلة، مثل مشروع القناة الجافة في العراق المرتبط بـ ميناء الفاو الكبير، لتوفير مسار سريع يتجاوز بعض المخاطر البحرية.
أما الاتجاه الثالث، فيتمثل في الطروحات الخاصة بإنشاء قنوات مائية جديدة، وهي مشاريع طموحة لكنها بعيدة المدى ومعقدة التنفيذ.
وبتحليل واقعي، فإن المشروع الأسرع تنفيذًا والأكثر قدرة على إنقاذ الموقف الدولي حاليًا هو النموذج المصري القائم على تطوير البنية اللوجستية المرتبطة بقناة السويس. فالعمل جارٍ بالفعل، والبنية الأساسية موجودة، والتأثير مباشر وسريع، خاصة في تقليل زمن النقل وتوفير بدائل عند حدوث أزمات مفاجئة. يليه من حيث الأهمية مشروع القناة الجافة العراقي، لكنه يحتاج إلى استقرار سياسي وتنفيذ طويل نسبيًا، بينما تظل القنوات المائية الجديدة خيارًا مستقبليًا أكثر منه حلًا عاجلًا.
إن العالم اليوم لا يحتاج إلى مشروعات ضخمة بعيدة الأجل بقدر ما يحتاج إلى حلول سريعة وفعالة تقلل من المخاطر الحالية، وتضمن استمرار تدفق الطاقة دون انقطاع. فاستقرار الأسواق العالمية لم يعد يحتمل التأجيل، وأي تعطيل في هذه الممرات ينعكس فورًا على حياة الشعوب.
ومن هنا، تبرز ضرورة إعادة النظر في إدارة الممرات المائية الدولية، خاصة المضايق الاستراتيجية، باعتبارها شرايين حياة لا يجوز أن تخضع لصراعات النفوذ أو الهيمنة. إن وضع هذه الممرات تحت حماية دولية محايدة، لا تخضع لأي دولة مهما بلغت قوتها، أصبح ضرورة ملحّة لضمان أمن الطاقة واستقرار التجارة العالمية، وحماية العالم من أزمات قد تتكرر بشكل أكثر حدة في المستقبل.







































