
كتب رياض الفرطوسي
جلس الرجل في مواجهة الكاميرا لثمانين دقيقة كاملة خلف الكواليس، لم يتسلل منها إلى الشاشة سوى أربع عشرة دقيقة؛ وهي مفارقة تختزل كيف تُصنع الصور السياسية في غرف المونتاج. لم يكن بنيامين نتنياهو في حواره مع برنامج “60 دقيقة” الشهير على شبكة “سي بي إس” يتحدث كقائد يشرح نهاية حرب، بل كمن يفتح باباً لا يعرف أحد متى يُغلق. أدار المحاور المخضرم “ميجور غاريت” اللقاء باحترافية واضحة، بعد جدل صحفي واسع في أروقة الصحافة الأمريكية والنيويورك بوست حول انتقاء نتنياهو المسبق له وتفضيله على المحققة الشرسة “ليزلي ستال”، في خطوة وصفتها النائبة “ألكساندريا أوكاسيو كورتيز” بأنها انتهاك لأي معيار مهني. ومن خلف هذه الكواليس، طرح غاريت سؤالاً لا يحتاج إلى شجاعة بل إلى صبر: هل انتهت الحرب؟ ومن يملك قرار إنهائها؟
ابتسم نتنياهو متجاهلاً الشق الثاني من السؤال، ثم بدأ يعد أشياء لم تنتهِ بعد؛ فاليورانيوم المخصب لا يزال هناك، والبنية التحتية لم تُفكك، وكأن الحرب ليست معركة لها سياق، بل قائمة تسوق وجودية لا تكتمل. وحين ضغط عليه المحاور بوضوح: “وهل يجب تحقيق كل ذلك حتى تنتهي الحرب؟ متى؟”، جاء الرد مقتضباً وكاشفاً: لن أضع جدولاً زمنياً. هنا يكمن الاختراق الحقيقي؛ ليس في ما قاله رئيس الوزراء، بل في ما منحه لنفسه من حق المتابعة إلى ما لا نهاية، فحين تكون الأهداف سحابة مطاطة، تصبح حراً في البقاء تحت المطر للأبد وتحويل الحرب إلى مشروع مستدام. وعندما سأله غاريت بدهاء صياد عن كيفية إزالة هذا اليورانيوم، تملص بنبرة ساخرة قائلاً: نذهب إلى هناك ونخرجه. لكن الصحفي لم يبتلع الطعم وسأل عن التفاصيل: بقوات خاصة إسرائيلية أم أمريكية؟ وهنا لجأ نتنياهو إلى عقيدته المفضلة؛ صمت، ثم احتمى بالغموض قائلاً إنه يفضل الاتفاق، وإذا لم يحدث فلن يتحدث عن القدرات العسكرية. الغموض هنا ليس حاجزاً، بل هو السلاح نفسه، لتصبح مخاطر الفعل العسكري المباشر في حساباته أقل من مخاطر الانتظار والجمود.
هذا الهروب إلى الجبهات الإقليمية بدا مفهوماً من الناحية الجيوسياسية، لكنه في الصحافة الإسرائيلية كان محاولة واضحة للالتفاف على أزمة شرعية داخلية عميقة. ففي أجزاء من المقابلة نُشرت لاحقاً على الإنترنت ولم تُبث تلفزيونياً، اعترف نتنياهو مجبراً بتحمل “بعض المسؤولية” عن إخفاقات السابع من أكتوبر من قمة الهرم إلى أسفله، لكنه سرعان ما حوّل دفة الحديث ليعيد تعريف دور القيادة بوصفه المنقذ الذي انتشل البلاد من حبل المشنقة الإيراني، رافضاً تشكيل لجان تحقيق مستقلة، ومستعيناً بإنجازات بديلة مثل تصفية عشرين من كبار العلماء النوويين الإيرانيين، وهو ما أبرزته صحف مثل “جيروزاليم بوست” بوصفه انتصاراً لمبدأ “العقول لا الأجهزة”. وفي هذا الفضاء الممتد، انتقل الحوار إلى مضيق هرمز، ذلك الشريان الذي يمر عبره نحو خمس استهلاك النفط العالمي، حيث حاول نتنياهو تقديم تصعيد الخصوم كدليل ارتباك لا دليل قوة، زاعماً أن الإيرانيين فهموا خطورة إغلاق المضيق ولكن متأخراً.
وهنا تبرز العبارة الساخرة المنسوبة للرئيس الصيني حول الأزمة: “لقد وضع الأمريكيون قفلاً على القفل”. وهي عبارة تختصر المأزق الجيوسياسي للممر المائي؛ حيث تحول المشهد إلى حالة “حصار الحصار” بعد أن عجز الجميع عن فرض هيمنة كاملة، فصارت الطريق معطلة كالدرّاجة المقفلة التي لا يستفيد منها صاحبها ولا السارق، ليتحول السؤال الدولي من “من يربح؟” إلى “من سيصرخ أولاً؟” تحت وطأة الاختناق الاقتصادي. وحين سأل المحاور بوضوح عن تآكل صورة إسرائيل عالمياً وتراجع دعمها بين الشباب في الغرب، ألقى نتنياهو باللوم على مزارع “البوتات” الوهمية على منصات التواصل، ثم أضاف سبباً أثار غضب المراقبين وهو: “الغيرة” من التفوق والنجاح. والمشكلة هنا أن من يرى طفلاً تحت الأنقاض لا يشعر بالغيرة، بل بالغثيان.
مستدعياً رواية وحشية لإرهابي سوري ينتزع قلب درزي، حاول نتنياهو إعادة بناء السردية المألوفة: نحن نخوض معركة نيابة عن الحضارة ضد البربرية، متعمداً إغلاق العين الأخرى عن آلاف القصص الإنسانية التي تنبت تحت الركام لضحايا الجانب الآخر. انتهت المقابلة التي تعمدت تجاهل القضية الفلسطينية برمتها لإعادة ترتيب الأولويات، وخرج المشاهد بشعور يعكس المأزق كله؛ فالخطر الحقيقي لا يكمن في ما تفوه به رئيس الوزراء، بل في ذلك الصمت المطبق الذي يلف مصير غد المنطقة، وفي غياب الإجابة عن السؤال الأهم الذي يتهرب منه الجميع: كم ضحية تكفي لتقول كفى؟ ومن يملك حقاً إعلان السطر الأخير في كتاب هذه الحرب؟







































