
بقلم : محمد جمال الدين
لطالما عانت الثقافة العربية من أزمة “المعلبات النخبوية”، حيث يُسجن الإبداع داخل جدران المعاهد وصالات العرض المغلقة، تاركاً الشارع فريسة للتلوث البصري والسمعية، لكن القيادة الحقيقية لا تكتفي بـإدارة المؤسسات، بل تعيد تفكيك علاقتها بالمجتمع، ومنذ لحظة تولي الأستاذة الدكتورة نبيلة حسن مسؤولية رئاسة أكاديمية الفنون، شهدت هذه المنارة الأكاديمية تحولاً راديكالياً في فلسفتها الوجودية، تحولاً نقل الفن من رتبة “الترف الأكاديمي” إلى رتبة “الحق الإنساني المشاع”، إذ لم تكن جولة مبادرة “الفن في الشارع” الأخيرة في قلب القاهرة، بحضور ورعاية تشريفية من دولة رئيس مجلس الوزراء، الاستاذ الدكتور مصطفى مدبولي إلا تتويجاً حتمياً لسلسلة من الإنجازات التي أعادت صياغة الهوية البصرية والوجدانية للمواطن المصري.
وفي تصريحات خاصة ومفعمة بالعمق الإنساني أدلت بها لراديو النيل، صاغت الدكتورة نبيلة حسن مانيفستو ثقافي جديد، فقد انطلقت من رؤية فلسفية تؤكد أن “من حق المواطن أن يشعر بلحظات الصفاء بعد انتهاء أعباء العمل والحياة اليومية”، إذ أن هذا الصفاء ليس مجرد رفاهية، بل هو ضرورة وجودية لإعادة توازن الإنسان المنهك، حيث ترى الدكتورة نبيلة أن “وسط البلد مكان جاذب في حد ذاته، فالقاهرة القديمة تنعم بروعة المباني، بالإضافة إلى شارع الشريفين وفيه الإذاعة المصرية والبورصة، مما يجعلك تشعر بكل حنين وفخر أن أجيالاً وأجيالاً مرت على هذه الشوارع”، وفي تعبير بليغ ينم عن حس تاريخي وفني رفيع، أضافت: “كل طوبة في وسط البلد بتحكي حدوتة، قد إيه مصر عظيمة وكبيرة، وإحنا بطبيعتنا وجداننا مليء بالفن والتذوق، وما أحوجنا إلى الإلتفاف حول كل ما تنتمي إليه هويتنا الفنية والإبداعية”.
ولم يكن النجاح وليد الصدفة في تلك المبادرة، بل امتداداً لنجاح باهر حققته المبادرة في محطتها الأولى بمحافظة الإسكندرية، والتي انطلقت بقوة من أمام ساحة المتحف اليوناني الروماني العريق، وعندما انتقلت التجربة إلى العاصمة، وتلبية لدعوة كريمة من السيد محافظ القاهرة الذي أُعجب بالفكرة فور إنطلاق المناقشات حول كيفية تنفيذها، تم توقيع بروتوكول تعاون مشترك، وبناءً عليه، حدث التحول الرمزي الأكبر بـإطلاق اسم “شارع الفن” على شارع الشريفين العريق بوسط البلد، ليتحول من مجرد ممر إسمنتي تاريخي إلى مركز ثقافي حيوي مفتوح يقدم فقرات فنية وإبداعية بشكل دوري ومنتظم، تحت إشراف وتنسيق كامل من أكاديمية الفنون.
وقد أكدت الدكتورة نبيلة حسن في تصريحاتها أنه سيتم تقديم جميع أنواع الفنون للحفاظ على هويتنا الفنية والثقافية، وهو ما تجسد ميدانياً في “شارع الفن”، حيث التقى السامي بالشعبي، والعالمي بالمحلي في جولة ذهاب وعودة مبهرة شملت: روائع الباليه العالمي، حيث تقديم لوحات من الباليه الروسي، الإيطالي، والإسباني، عكست دقة الموهبة والتنوع الثقافي، مع إبداعات طلاب المعاهد المتخصصة، حيث شملت فقرات عزف منفرد، وغناء جماعي وفردي، بالإضافة إلى عروض متميزة من الغناء الأوبرالي لعشاق الموسيقى الكلاسيكية، بالإضافة إلى إحياء الهوية المصرية، عبر عروض الموسيقى العربية، الفنون الشعبية، واستعراض “التحطيب” الصعيدي الشهير، إلى جانب فقرة استثنائية لـ “رقصة التنورة للعرائس”، ليختتم اليوم بروح حماسية عارمة ردد فيها الجميع بصوت واحد أغنية “تحيا مصر”.
والحقيقة لم تكن أكاديمية الفنون تعزف منفردة في هذا المحفل، بل آمنت رئيسة الأكاديمية الدكتورة نبيلة حسن بأن الشارع ملك للجميع، لذا فتحت الأبواب لشراكات استراتيجية محورية أضفت بعداً تفاعلياً وتراثياً خاصاً: إذ أن مؤسسة عبلة للكاريكاتير، نظمت ورشاً تفاعلية حية لرسم الكاريكاتير جذبت المارة، وتواجد مسرح العرائس، الذي أعاد بهجة الذاكرة المصرية بإطلالة “الراقصة” الشهيرة من العرض التراثي الخالد “الليلة الكبيرة”، بالإضافة إلى مجموعة “Art of Egypt”، التي سجلت حضوراً مبهراً عبر تقديم تشكيلة متنوعة من اللوحات الفنية الحية والرسم الزيتي التي جعلت من الشارع معرضاً مفتوحاً يضج بالحياة.
وفي لفتة إنسانية رصدتها الدكتورة نبيلة حسن في تصريحاتها، وصفت الأجواء قائلة: “كنا في الشارع من الساعة 9 صباحاً، ومر علينا مجموعة من الضيوف الأجانب، منهم اللي حب التحطيب وقاعد يرقص تحطيب، ومنهم اللي قعد يغني، ومنهم اللي اترسم له كاريكاتير، منهم طفل صغير غاية في الرقة ويمسك ورقة الكاريكاتير بتاعته ومش عايز يسيبها من إيده، وكان فيه حالة حب تملأ شارع الفن”.
وفي ختام الفعاليات، وجهت الدكتورة نبيلة حسن خالص شكرها لمنظمي المبادرة، وأعربت عن اعتزازها بالأداء المشرف لجميع معاهد الأكاديمية وفرقها التي كانت عصب هذا النجاح، المعهد العالي للموسيقى العربية، المعهد العالي لموسيقى الكونسيرفاتوار، المعهد العالي للباليه، المعهد العالي لفنون الطفل، المعهد العالي للفنون المسرحية، المعهد العالي للفنون الشعبية، فرق قاعة سيد درويش، ومدرسة التكنولوجيا التطبيقية، وعن طلابها قالت الدكتورة نبيلة بفخر: “طلاب الأكاديمية لما طرحنا عليهم الفكرة كان عندهم حالة حماس غير عادية وفرحة شديدة جداً، وسنقوم بعمل نفس الفعالية ولكن بداخل الأكاديمية لتكريم الطلاب وإعطائهم شهادات تقدير”، كما شددت على أن الأكاديمية ستقوم بالتنسيق مع كل من يرغب بتقديم فنه في شارع الفن من خلال التواصل معها.
إن ما تحقق في شوارع القاهرة بحضور دولة رئيس الوزراء الأستاذ الدكتور مصطفى مدبولي لم ولن يكن مجرد حدث عابر أو كرنفال احتفالي مؤقت، بل هو إعلان عن انتصار فلسفة ثقافية جديدة تقودها الدكتورة نبيلة حسن بثبات، فلسفة تؤمن بأن الفن ليس نصوصاً تُدرس في الغرف المغلقة، بل هو كائن حي يتنفس في الفضاءات العامة، ويمشي بين الناس، ويداوي جراح الحياة اليومية، وعندما يتحول “شارع الشريفين” إلى “شارع الفن”، فإن القاهرة لا تسترد بريق مبانيها القديمة فحسب، بل تسترد روحها ووجدانها الجماعي، مؤكدة أن أكاديمية الفنون قد تحولت بالفعل من مجرد منارة تعليمية إلى قوة تنويرية ضاربة في عمق المجتمع.










































