حين تعبر الأوطان المحنة بسلام، لا يكون ذلك صدفة

  • رمضان حلمي
  • منوعات
  • 10 أبريل 2026 - 5:02 مساءً
  • 0 تعليقات
  • 26 مشاهدة


كتب د : خالد السلامي

في اللحظات العادية، يبدو الوطن فكرة مستقرة في القلب؛ اسمًا على جواز السفر، وعلمًا يرفرف فوق المباني، وأناشيد تحفظها الذاكرة منذ الطفولة. لكن في اللحظات الاستثنائية، يتغيّر كل شيء. يصبح الوطن اختبارًا حيًا للثقة، ومعنى عمليًا للأمان، وتجربة شخصية يشعر بها الإنسان في نبضه قبل أن يعبّر عنها بالكلمات.
نحن لا نعرف قيمة الطمأنينة حقًا إلا عندما تمرّ بالقرب منا رياح القلق. عندها فقط نفهم أن الأمن ليس مشهدًا اعتياديًا، ولا أمرًا يمكن التعامل معه كأنه مضمون إلى الأبد. الأمن بناءٌ يومي، وجهدٌ طويل، ويقظة لا تنام، ومؤسسات تعرف ماذا تفعل حين يضطرب المشهد من حولها. وحين تنجح دولة في عبور مرحلة دقيقة بسلام، فإن هذا العبور لا يجب أن يُقرأ على أنه مجرد حظّ عابر، بل ثمرة وعي، وحكمة، وثبات، وانتماء متبادل بين القيادة والشعب.
في الأوقات الصعبة، هناك دول ترتبك، ودول تصرخ، ودول تستهلكها الفوضى. وهناك دول أخرى تعرف كيف تحافظ على اتزانها، وكيف تمنع الخوف من أن يتحول إلى هزيمة نفسية، وكيف تُبقي المجتمع متماسكًا حتى لو كان المشهد من حوله مضطربًا. هنا يظهر الفرق الحقيقي بين دولة قائمة على ردود الفعل، ودولة مبنية على الجاهزية. بين وطن يكتفي بالشعارات، ووطن يثبت معناه بالفعل.
العبور بسلام لا يعني فقط أن الخطر مرّ. بل يعني أن الروح الوطنية خرجت من الامتحان أكثر صفاءً. يعني أن الناس اكتشفوا من جديد قيمة الالتفاف حول وطنهم. يعني أن العلم لم يعد مجرد رمز يُرفع في المناسبات، بل صار علامة شعورية على الانتماء، ودليلًا على أن هذا البيت الكبير ما زال متماسكًا، وأن هذه الأرض تعرف كيف تحمي أبناءها وتصون منجزاتها. في مثل هذه اللحظات، لا يكون رفع العلم حركة شكلية، بل تعبيرًا داخليًا عن امتنان عميق لوطن أثبت أنه أكبر من القلق، وأقوى من الضجيج، وأرسخ من الشائعات.
ولعلّ أجمل ما في الأوطان القوية أنها لا تكتفي بالنجاة، بل تحوّل لحظات التحدي إلى لحظات كشف. تكشف معدن المجتمع، وصدق الانتماء، وعمق الثقة، وحقيقة العلاقة بين الإنسان وأرضه. فالوطن الحقيقي ليس المكان الذي نمدحه فقط حين يكون كل شيء بخير، بل المكان الذي نزداد تعلقًا به حين تشتد الظروف. هو الذي لا نهرب منه في لحظة القلق، بل نقترب منه أكثر. نتمسك بلغته ورموزه وذاكرته ورايته، لأننا نعرف أن الأوطان الكبيرة لا تُقاس بما تملكه فقط، بل بما تبنيه داخل نفوس أهلها من يقين.
وفي زمن تتسارع فيه الأخبار، وتنتشر فيه الإشاعة أسرع من الحقيقة، يصبح الوعي شكلًا من أشكال الوطنية. ليس كل من يتحدث كثيرًا يعرف، وليس كل من ينقل معلومة يخدم وطنه. أحيانًا تكون الحكمة في التثبت، ويكون الوفاء في ضبط الكلمة، ويكون الانتماء في الامتناع عن تضخيم الخوف أو إعادة تدوير القلق أو فتح الأبواب أمام البلبلة. فالأوطان لا يحرسها السلاح وحده، بل يحرسها أيضًا وعي الناس، ومسؤولية الكلمة، واحترام الحقيقة.
لقد علمتنا اللحظات الأخيرة درسًا لا ينبغي أن يمرّ عابرًا: أن قوة الوطن ليست في صلابته الأمنية فقط، بل في مناعته النفسية أيضًا. في قدرته على أن يبقي الحياة مستمرة، والناس مطمئنين، والمؤسسات فاعلة، والثقة قائمة. هذه القوة الهادئة هي من أرقى أشكال القوة. لأنها لا تستعرض نفسها بالصوت المرتفع، بل تثبت حضورها حين يحتاجها الجميع.
وحين نتأمل ما حدث من زاوية أعمق، ندرك أن الانتصار ليس دائمًا صورة صاخبة، وليس بالضرورة مشهدًا حادًا مليئًا بالهتاف. أحيانًا يكون الانتصار في أن تبقى الحياة واقفة على قدميها. في أن ينام الناس مطمئنين. في أن تستمر المدارس والمستشفيات والمطارات والأسواق والبيوت في أداء دورها. في أن يشعر المواطن والمقيم أن خلف هذا المشهد دولة لا تتخلى عن مسؤوليتها، ولا تسمح للفوضى أن تتسلل إلى يومه العادي. هذا النوع من الانتصار لا يصنع ضجة، لكنه يصنع تاريخًا من الثقة.
ومن هنا، فإن الحديث عن العبور من الوضع الأخير بسلام ليس مجرد تعليق على حدث انتهى، بل هو تأمل في معنى الوطن حين يكون وطنًا بحق. معنى الدولة حين تكون دولة بالفعل. معنى القيادة حين تقود بثقة لا بانفعال، ومعنى الشعب حين يثبت أن الانتماء ليس كلامًا يُقال، بل موقفًا يُرى في ساعات الاختبار.
إن الأوطان التي تعبر المحنة بسلام تستحق منا أكثر من الاحتفال العابر. تستحق أن نعيد النظر في معنى الوفاء، وأن نرفع منسوب الامتنان، وأن نتمسك أكثر بالوحدة، وأن نفهم أن الاستقرار الذي نعيشه ليس تفصيلًا صغيرًا في حياتنا، بل نعمة كبرى تستحق الحراسة بالوعي والعمل والمحبة.
لهذا كله، فإن ما نشعر به اليوم لا ينبغي أن يكون مجرد ارتياح لأن مرحلة صعبة مرّت، بل فخرٌ بأننا ننتمي إلى وطن يعرف كيف يمرّ من العاصفة مرفوع الرأس. وطن إذا اشتدت الأيام، ازداد تماسكًا. وإذا ارتفعت التحديات، ارتفع معها الوعي. وإذا حاول القلق أن يطرق الأبواب، وجد خلفها شعبًا يعرف من هو، وقيادة تعرف إلى أين تمضي، وراية لا تنخفض.
ذلك هو الوطن الذي لا نعبر به الأيام فقط، بل يعبر بنا نحن أيضًا إلى مساحة أوسع من الثقة والمعنى والانتماء.

img-20260410-wa00234402037138730624977-1024x682 حين تعبر الأوطان المحنة بسلام، لا يكون ذلك صدفة

Related Posts

من معاني العيد

كتب الدكتور خضر…

Read more

متقاعدون ..
تهكم واقعي وموال شجي !

حسين الذكر ضحكت…

Read more

أخر الأخبار

٥٦ حالة إزالة جديدة ضمن الموجة ٢٩ لإزالة التعديات بمحافظة الجيزة

٥٦ حالة إزالة جديدة ضمن الموجة ٢٩ لإزالة التعديات بمحافظة الجيزة

أبو بكر محمد يتخطى مليون مشاهدة بأغنية في غيابك وردود أفعال قوية

أبو بكر محمد يتخطى مليون مشاهدة بأغنية في غيابك وردود أفعال قوية

المستشار الحبيب النوبي يعزي سفير خادم الحرمين الشريفين في مصر

المستشار الحبيب النوبي يعزي سفير خادم الحرمين الشريفين في مصر

الرابر السوداني دريفت يمزج موسيقى الدريل والتراب في أغنية “Gessa

الرابر السوداني دريفت يمزج موسيقى الدريل والتراب في أغنية “Gessa

من معاني العيد

من معاني العيد

انفراد || الاعلامى الدكتور مجدي كامل الهواري يحاور الفنانه دوللى شاهين نجمة لبنان

انفراد || الاعلامى الدكتور مجدي كامل الهواري يحاور الفنانه دوللى شاهين نجمة لبنان

الاعلامي الدكتور مجدي كامل الهواري يكتب : رئيس ساحل العاج ينام على الارض مطمئنا” بين الحجيج

الاعلامي الدكتور مجدي كامل الهواري يكتب : رئيس ساحل العاج ينام على الارض مطمئنا” بين الحجيج

العوامل التى قامت عليها الحضارات

العوامل التى قامت عليها الحضارات

علي الأحمري.. نموذج للشاب السعودي بين ريادة الأعمال والمحتوى الرقمي

علي الأحمري.. نموذج للشاب السعودي بين ريادة الأعمال والمحتوى الرقمي

فكيف إذا صُبغت شعيرة… الحج بصبغة وحدة الأمة وتجلّي القيم الإنسانية

فكيف إذا صُبغت شعيرة… الحج بصبغة وحدة الأمة وتجلّي القيم الإنسانية

وزير الخارجية الليبي يؤكد على موقف حكومة بلاده الثابت تجاه القضية الفلسطينية

وزير الخارجية الليبي يؤكد على موقف حكومة بلاده الثابت تجاه القضية الفلسطينية

اتحاد الفنانين العرب يهنئ الأردن بعيد الاستقلال .. ويثمن التعاون المصري الأردني لدعم استقرار المنطقة العربية

اتحاد الفنانين العرب يهنئ الأردن بعيد الاستقلال .. ويثمن التعاون المصري الأردني لدعم استقرار المنطقة العربية

سجن وهوية: كيف حوّلت المحاكمات الأمنية الاستهداف القبلي إلى تهمة في قضية عمر دارس؟

سجن وهوية: كيف حوّلت المحاكمات الأمنية الاستهداف القبلي إلى تهمة في قضية عمر دارس؟

متقاعدون ..
تهكم واقعي وموال شجي !

متقاعدون .. <br>تهكم واقعي وموال شجي !

الغموض المنتصر

الغموض المنتصر

التماسك الاجتماعي يبدأ من الأسرة … والأسرة تبدأ من الوعي

التماسك الاجتماعي يبدأ من الأسرة … والأسرة تبدأ من الوعي

جامعة دمنهور تدشن اول جدارية عربية لرواد أدب الطفل

جامعة دمنهور تدشن اول جدارية عربية لرواد أدب الطفل

«أميرة قلبي زين» عرض استعراضي مبهر يجمع بين الفخامة والقيم الهادفة

«أميرة قلبي زين» عرض استعراضي مبهر يجمع بين الفخامة والقيم الهادفة

«سوديك» تدفع بمشروع «أوجامي» إلى صدارة السوق الساحلي عبر رؤية استثمارية ومعمارية بمعايير عالمية

«سوديك» تدفع بمشروع «أوجامي» إلى صدارة السوق الساحلي عبر رؤية استثمارية ومعمارية بمعايير عالمية

نائب أول طب وجراحة الأنف والأذن والحنجرة وجراحة الرأس والعنق

نائب أول طب وجراحة الأنف والأذن والحنجرة وجراحة الرأس والعنق

عبدالوهاب كرم الحلوي يرسخ حضوره الدولي عبر بوابة التعاون المصري الكوري

عبدالوهاب كرم الحلوي يرسخ حضوره الدولي عبر بوابة التعاون المصري الكوري

تحرك قضائي جديد في قضية أحمد الدجوي.. المحكمة تفتح ملف الملايين والعقارات بطلبات محمد حمودة

تحرك قضائي جديد في قضية أحمد الدجوي.. المحكمة تفتح ملف الملايين والعقارات بطلبات محمد حمودة

من أي قبيلة أنت؟” الاستهداف الإثني كمدخل للتعذيب والمحاكمة في قضية عمر دارس

من أي قبيلة أنت؟” الاستهداف الإثني كمدخل للتعذيب والمحاكمة في قضية عمر دارس

المصريان باسل شعلان وأحمد السيسي يتأهلان إلى نصف نهائي “فخر العرب” بدبي

المصريان باسل شعلان وأحمد السيسي يتأهلان إلى نصف نهائي “فخر العرب” بدبي

منة شلبي وأحمد داود وأحمد مالك نجوم العيد لأول مرة على قنوات ART

منة شلبي وأحمد داود وأحمد مالك نجوم العيد لأول مرة على قنوات ART

المخرج محمد زكريا يستضيف راضي الشربيني..

المخرج محمد زكريا يستضيف راضي الشربيني..

المصريان باسل شعلان وأحمد السيسي يتأهلان إلى نصف نهائي “فخر العرب” بدبي

المصريان باسل شعلان وأحمد السيسي يتأهلان إلى نصف نهائي “فخر العرب” بدبي

جينسلر الشرق الأوسط تعيّن ديما رشيد مسؤولةً لتصميم العمران الطبيعي في “استوديو المدن”

جينسلر الشرق الأوسط تعيّن ديما رشيد مسؤولةً لتصميم العمران الطبيعي في “استوديو المدن”

محافظ الجيزة  يهنئ فخامة الرئيس بمناسبة عيد الأضحي المبارك

محافظ الجيزة  يهنئ فخامة الرئيس بمناسبة عيد الأضحي المبارك

وزير الخارجية الليبي يؤكد على موقف حكومة بلاده الثابت تجاه القضية الفلسطينية

وزير الخارجية الليبي يؤكد على موقف حكومة بلاده الثابت تجاه القضية الفلسطينية

“القلم السوري” لا يعترف بسايكس- بيكو

“القلم السوري” لا يعترف بسايكس- بيكو

بمشاهد من «لعبة قلبت بجد» و”ولاد رزق” .. الشباب يناقشون السوشيال ميديا والذكاء الاصطناعي بالعاصمة الجديد

بمشاهد من «لعبة قلبت بجد» و”ولاد رزق” .. الشباب يناقشون السوشيال ميديا والذكاء الاصطناعي بالعاصمة الجديد

تجريد شوارع طموه مركز أبو النمرس ورفع تجمعات القمامة تمهيًدا لعيد الأضحى المبارك

تجريد شوارع طموه مركز أبو النمرس ورفع تجمعات القمامة تمهيًدا لعيد الأضحى المبارك

عمل فني جديد يبصر النور بتوقيع نخبة من الأسماء اللبنانية المبدعة

عمل فني جديد يبصر النور بتوقيع نخبة من الأسماء اللبنانية المبدعة

د امال ابراهيم تشارك في ندوة مبادرة التعليم العالي أسرة مستقرة مجتمع متماسك

د امال ابراهيم تشارك في ندوة مبادرة التعليم العالي أسرة مستقرة مجتمع متماسك

التأهيل قبل الزواج … لماذا يُعد أهم أسباب نجاح العلاقات الأسرية؟

التأهيل قبل الزواج … لماذا يُعد أهم أسباب نجاح العلاقات الأسرية؟

فرقة المسرح الحديث تستقبل عيد الأضحي بأقوي العروض المسرحي

فرقة المسرح الحديث تستقبل عيد الأضحي بأقوي العروض المسرحي

لفتة إنسانية راقية من السيد وكيل وزارة التربية والتعليم ببني سويف

لفتة إنسانية راقية من السيد وكيل وزارة التربية والتعليم ببني سويف

زينة العلمي تتحول إلى “حورية بحر” فى أحدث ظهور.. إطلالة ساحرة تخطف الأنظار وقت الغروب

زينة العلمي تتحول إلى “حورية بحر” فى أحدث ظهور.. إطلالة ساحرة تخطف الأنظار وقت الغروب

محافظة الجيزة تزيل ٤٣حالة تعدى ومخالفات بناء جديدة ضمن الموجة ٢٩ لإزالة التعديات

محافظة الجيزة تزيل ٤٣حالة تعدى ومخالفات بناء جديدة ضمن الموجة ٢٩ لإزالة التعديات