بقلم : محمد جمال الدين
لم يكن التراث الشعبي في يوم من الأيام مجرد متحف للأحجار الصامتة، أو ركاماً بالياً من ذكريات الماضي، بل هو الكيان الروحي والنبض الحي للأمم، والمرآة العميقة التي تعكس هويتها، وتجلياتها الحضارية عبر التاريخ، وفي قلب هذا البناء الرمزي الشامخ، يتربع “فن الأراجوز المصري” بوصفه تجسيداً فلسفياً واجتماعياً فريداً للمقاومة والسخرية والوعي الجمعي.
حين نتأمل المعطيات الوجودية لهذا الفن، نجد أنه يطرح إشكالية كبرى، تتعلق بقدرة التراث على مواجهة طوفان الحداثة والعولمة التكنولوجية الجارفة، من هنا ينبثق كتاب “الأراجوز المصري والعرائس” لمؤلفه الفنان القدير ناصر عبد التواب، الصادر عن المركز القومي لثقافة الطفل، التابع لوزارة الثقافة المصرية، ليشكل وثيقة معرفية وفنية واعية تفتح الباب واسعاً أمام تأملات نقدية عميقة حول مصير الفنون الشعبية في عصرنا المعاصر.
يتميز الكتاب بمنهجية تربوية وفنية مبسطة، لكنها عميقة الدلالة، حيث اختار المؤلف أن يصيغ مادته العلمية في قالب حواري دافئ بين الطفل “سامي” والمعلم “حسن”، وهذا الخيار السردي لم يكن عفوياً، بل هو إقرار فلسفي بأن نقل التراث لا يتم بالتلقين الأجوف، بل بالتفاعل الحي والإندهاش الخلاق، كما يغوص الكتاب في جذور المفردة اللغوية موضحاً أن “أراجوز” اسم يعود إلى أصول مصرية قبطية قديمة (أرجويوس)، والتي تعني “فعل الكلام”، مما يربط الكيان الفني بوجدان الأرض المصرية العميقة.
ويقدم الكتاب دليلاً عملياً وعلمياً لأنواع عرائس القفاز، وعرائس العصا (الجاوية)، وخيال الظل، والماريونت، والمسرح الأسود، والماسك، مبيناً الأبعاد الدقيقة للمسارح والبرفانات والخامات المستخدمة، كما يبرز الكتاب دور الأراجوز لا كجهاز ترفيهي عابر، بل كـ “عصا” يجلد بها الإنسان ذاته لتصحيح مساره الأخلاقي، ومواجهة الجشع والنفاق، وإرساء قواعد العدالة الاجتماعية، من خلال عبارة الطرد الشهيرة “اطلع بره” التي تمثل عزلاً أخلاقياً للنماذج الفاسدة.
يعد هذا الكتاب وثيقة علمية رفيعة المستوي العلمي، قام بإعداده المخرج القدير ناصر عبد التواب، أحد أهم رواد هذا الفن على المستوى العربي، والفنان ناصر عبد التواب مخرج ولاعب العرائس بالمركز القومي لثقافة الطفل، وعضو نقابة المهن التمثيلية، وهو أحد أهم أعمدة وحماة هذا الفن في العصر المعاصر، إذ لم يكتف الرجل بالممارسة التقليدية، بل انخرط في تطوير آليات الأداء والبحث المنهجي، وحصد عبر مسيرته العديد من الجوائز الدولية والعربية، وعليه فإن جهود ناصر عبد التواب، تمثل نموذجاً للفنان المثقف، الذي يدرك تمام الإدراك أن الحفاظ على التراث يستوجب الإشتباك الواعي مع أدوات العصر دون فقدان الهوية الجوهرية.
وفي عالم يسيطر عليه الذكاء الاصطناعي، والمنصات الرقمية، والواقع الافتراضي، فإن بقاء الأراجوز بشكله التقليدي الإستاتيكي المحض، يبدو مستحيلاً وضرباً من الرومانسية القاتلة للفن نفسه، فالطفل المعاصر الذي تشبع بصرياً بالتقنيات الحديثة، لن تبهره الكلاسيكيات البحتة، إن لم يتم تطعيمها بروح الحداثة، لذا صار من الضرورة بمكان أن تمتد يد التطوير لتشمل صياغة موضوعات معاصرة، تعالج مشكلات العصر الرقمي، والتنمر الإلكتروني، والعزلة الاجتماعية، مع الحفاظ على روح السخرية السوداء والذكاء الفطري للشخصية، كما يؤكد الواقع الفني أن الأراجوز ليس رهيناً لخامات، أو قوالب مادية ثابتة، فما يجعل الأراجوز حقيقياً هو ثبات ملامحه الرمزية الكبرى: العصا، الصوت المعدني الناتج عن “الأمانة”، والطرطور الأحمر، بغض النظر عن كون الخامة من القماش، أو الخشب، أو الفيبر الحراري الحديث، طالما أن الروح والوظيفة النقدية باقيتان.
لكن من المؤلم حقاً أن نشهد في الساحة الثقافية ممارسات سلبية، من بعض الأدعياء الذين يحاولون احتكار صفة “الريادة” زوراً، متخذين من سياسة “تجهيل الآخر” منهجاً لهم، إذ إن إدعاء ملكية التراث الشعبي، أو تهميش الجهود الحقيقية لحملة التراث، لا يمت للحفاظ على الهوية بصلة، بل هو تعبير عن نرجسية ثقافية ضيقة الأفق تهدم ولا تبني، فالتراث ملك للجميع، وحمايته تقتضي التكاتف لا الإقصاء، والإعتراف بجهود كل مخلص يحمل هذه الأمانة.
وأكثر ما شد انتباهي خلال الفترة السابقة، وتتكشف عنده المفارقة الكبرى، حين ندرك أن منظمة اليونسكو قد قدمت معونات مالية ضخمة ومقدرة، لدعم جهود الحفاظ على التراث الشعبي المصري، وتحديداً فن الأراجوز بعد تسجيله على قوائم التراث العالمي غير المادي، إلا أن المؤسف حقاً هو ما وصل إلى مسامعي، وتأكدت منه بما لا يدع مجالاً للشك، هو ما أفرزته الممارسات الإدارية لصندوق التنمية الثقافية، من استئثر بالمنحة لصالح جهات دون أخرى بارزة وفاعلة، وهنا تبرز تساؤلات مشروعـة: لماذا يُستبعد المركز القومي لثقافة الطفل، وحديقته الثقافية بالسيدة زينب تماماً من أي دعم مالي من هذه المنحة، رغم أنه القلعة الثقافية الأرسخ، والأكثر نشاطاً في إنتاج الفاعليات، والملتقيات، والورش، والكتيبات الخاصة بالأراجوز؟، وهل سياسة تجاهل الجهات التابعة لوزارة الثقافة نفسها، وإقصاء الرموز الحقيقية وحملة التراث، تصب بحال من الأحوال في صالح الحفاظ على التراث المصري؟، إن الإجابة القاطعة هي النفي المطلق، فالتنمية الثقافية لا تتحقق بالإنتقائية البيروقراطية، بل بالعدالة وتوزيع الدعم على المؤسسات التي تملك الكوادر والفعالية على الأرض.
إن الأراجوز المصري لا يمكن اختزاله في كونه مجرد دمية متحركة، بل هو ضمير الأمة الحي ومرآتها الشعبية الناطقة، وإنقاذ هذا التراث من خطر الإندثار، وتجاوز أزمات التمويل الجائر وسياسات الإقصاء المتبعة من بعض الجهات الإدارية، يفرض علينا ضرورة حتمية للتكاتف الوطني الشامل، لذا يجب أن تتضافر جهود وزارة الثقافة، وصندوق التنمية الثقافية، والمركز القومي لثقافة الطفل، وكل المبدعين الحقيقيين دون إقصاء، لصياغة استراتيجية وطنية موحدة تجمع بين أصالة الجذور وحداثة العصر، لكي يبقى الأراجوز المصري صوتاً للحق والبهجة والحرية عبر الأجيال.











































