✍️بقلم الدكتورة / زينب طلعت حسن
نحيا اليوم في دوامة عصرٍ عاصف الخطى، تلاطمت فيه أمواج المشاغل، وطحنت صروفه المادية وضغوطه الاجتماعية ركائز الوقت النابض، حتى غدا السعي المنهك وراء لقمة العيش يستنزف من المرء أنفاسه الشاردة ويومه المذبوح على مقصلة الركض المضني ، إلى جانب حقيبة يحملها لا يعلم أحد حملها ولا ما تحويها وهو يسير بين الناس بوجه باسم مستبشر ، وبداخله مَقابرُ مكتومة، لا يبصر أنينها الصامت إلا عين الخالق ، وفي خضم هذا التيه المعاصر، تتجلى حاجة الروح ملحةً للفيء إلى ظلال الدستور القرآني النبيل؛ لنتأمل في خشوع كيف أراد الخالق سبحانه أن تظل مفاتيح بيوتنا خاضعة لشرعه الحكيم وأمره السامي، لا مرتهنةً لأهوائنا .
يقول الحق تبارك وتعالى في محكم التنزيل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَىٰ أَهْلِهَا﴾. في هذا المقام الأسمى، نقف أمام نهي محكم لا تأويل فيه، يحرّم انتهاك حرمة بيوت الآخرين دون استئذان.
و لم يقف البيان الإلهي عند حدود “الاستئذان” الجاف فقط ، بل سما إلى لفظٍ بليغٍ فريد يهتز له وجدان البيان، وهو (تَسْتَأْنِسُوا). إنها اللفظة المشتقة من نبع “الأنس” والسكينة، لتكشف ببراعة إعجازية أن الزيارة لا يستقيم عودها الشرعي ولا الإنساني إلا إذا فاضت من رياض الرضا، ونبعت من طمأنينة وأنس متبادل يشرح صدر الآتي وهو الزائر والمستقبِل أي صاحب البيت على حدٍ سواء. ومن هنا، فإن تنسيق الموعد المسبق وإحكام وقته ليس جفاءً غليظاً، ولا صدوداً ونفوراً من لقاء الضيف، بل هو جوهر الاستئناس اللطيف الذي يسيّج الود بالمهابة، ويحفظ للبيوت أسرارها المكنونة وحرمتها المصونة.
ثم ترتقي التربية القرآنية في مراقي الشفافية النفسية وتبلغ ذروة الإعجاز التربوي في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمْ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾.
وواأسفاه على أعرافنا الاجتماعية المعاصرة؛ كيف توجست خيفةً من هذا الأدب العالي، فباتت تتعامل مع اعتذار صاحب الدار، أو رغبته في تأجيل اللقاء [لظرف طارئ أو لظرف شخصي أو لعدم استعداد مادي أو نفسي أو لظروف عمل أو غيره ] ، على أنه إهانة بالغة تمس الزائر ، وتقليل من شأنه ، وتعدٍّ على حقوقه المكتسبة! في تجاهل صريح لأمر الله تعالى المشرع العظيم الذي جعل الحق الكامل لصاحب الدار في السماح للضيف بالدخول أو طلب منه الرجوع واصفآ هذا الرجوع السمح بعبارة تنبض طهراً: (أَزْكَى لَكُمْ)؛ أي أطهر لسرائركم من هواجس الظنون السوء، وأنقى لعلاقاتكم من كدر التكلف الثقيل، وأبعد لنفوسكم عن مشاحنات البغضاء وضغائن الصدور.
إن رغبة صاحب البيت في تحديد وقت الزيارة، أو اعتذاره اللبق المستسمح بتبديل الموعد، لا يدل إطلاقآ على أن الضيف ثقيل على النفس أو غير مرحب بطلّته؛ بل هو في عمق الحقيقة النبيلة أصدق برهان على عظيم مكانته وعالي منزلته. فالخل الوفي هو من يصارحك بمكنون ظروفه، لأنه يأبى بوفائه ونبل نيته وسمو أخلاقه أن يستقبلك بوجه عابس متعب ، أو بصدر ضيق حرج، أو يقدم استقبال على حساب واجبات وقت عمله ؛ أو واجبه الأول مع أصحاب الحقوق عليه وهو في اعتذاره هذا ليس مستبداً برأيه، ولا متكبرآ بطبعه ، ولا مستهينآ بالزائر بل ممتثل متبتل لأمر الله الذي جعل مفتاح بيته بيده ، يعتذر متى حان العذر وحقّت الضرورة .
ما أحوجنا اليوم، ونحن نكابد غمار هذه الحياة اللاهثة، الطاحنة الممتلئة بالضغوط أن نفيء إلى أنوار الأمر والنهي الإلهي، فنتشرب من نبعها أن الاعتذار شجاعة ونبل، وأن قبول العذر وتفهم تفاوت ظروف الآخرين طهارة للنفس وتزكية للروح حينها فقط، ستبقى البيوت مطمئنة مصونة، وتظل القلوب على عهد صفائها معمورة ، تظللها في كل حين مظلة الهدي الإلهي السامي وشرعه الحكيم.









































