مصر… الدولة التي لا تملك جيشًا واحدًا بل منظومة جيوش متعددة
بقلم : الكاتب والسياسي سيد الأسيوطي
عزيزي القارئ، المصري والعربي والدولي…
حين نقول إن لكل دولة في الشرق الأوسط جيشًا، إلا مصر فلها جيوش، فهذا ليس شعارًا عاطفيًا ولا مبالغة خطابية، بل توصيف دقيق لواقع استراتيجي تشكّل عبر التاريخ، وتكثّف بعد دروس قاسية خاضتها الدولة المصرية في العقود الأخيرة.
مصر لم تعد تعتمد على مفهوم الجيش التقليدي وحده، بل انتقلت بوعي وتخطيط إلى منظومة ردع متعددة الطبقات، تجعل أي فكرة عن المساس بأمنها مغامرة خاسرة قبل أن تبدأ.
القواعد العسكرية الحديثة تشكّل صلب هذه المنظومة، وعلى رأسها قاعدة محمد نجيب في الغرب، وقاعدة برنيس في الجنوب الشرقي على ساحل البحر الأحمر، وقاعدة 3 يوليو البحرية على الساحل الشمالي الغربي للبحر المتوسط.
كل قاعدة من هذه القواعد ليست مجرد موقع تمركز، بل جيش متكامل يضم قيادة عمليات، وقوات برية وبحرية وجوية، ومنظومة لوجستية واستخباراتية، وجاهزية قتالية مستقلة، ما يجعل مصر من الدول القليلة عالميًا التي تطبق مفهوم الانتشار الذكي بصورة شاملة.
الجيش الثاني الميداني والجيش الثالث الميداني ليسا مجرد تقسيم إداري، بل قوتان قتاليتان ترتبطان بأكثر الجبهات حساسية في تاريخ مصر. خبرتهما التراكمية، وتسليحهما المتطور، وانضباطهما المهني، تجعل منهما حائط صد استراتيجيًا في مواجهة أي تهديد تقليدي أو غير تقليدي.
قوات الصاعقة المصرية ليست رمزًا للشجاعة فحسب، بل مدرسة قتالية محترفة في العمليات الخاصة، ومكافحة الإرهاب، والانتشار السريع، والحروب غير التقليدية. قوتها لا تُقاس بعددها، بل بنوعية تدريبها، وانضباط عقيدتها، وقدرتها على تنفيذ المهام الدقيقة، وهو ما يجعلها محل رصد وتقدير إقليمي ودولي.
وزارة الداخلية المصرية، بما تضمّه من قطاعات قوية وعلى رأسها قطاع الأمن المركزي، لم تعد تُختزل في الدور الشرطي التقليدي، بل تمثل قوة شبه عسكرية تحافظ على الاستقرار الداخلي، وتواجه الفوضى، وتحارب الإرهاب المنظم.
ويكتمل هذا الدور بوجود جهاز الأمن الوطني (أمن الدولة)، وهو جهاز معلوماتي استراتيجي داخلي، تمتلك الدولة من خلاله قدرات استخباراتية وتحليلية تضاهي أجهزة مخابرات إقليمية ودولية، ويُشكّل أحد أعمدة الردع غير المعلنة.
كما تأتي الفرقة عالية التدريب المعروفة بـ«الأفاعي السوداء» لتؤكد أن الدولة المصرية لا تترك ثغرة دون غلق، ولا خطرًا دون استعداد مسبق.
ولم تكتفِ مصر بالقوة العسكرية والأمنية وحدها، بل اكتملت منظومة الدفاع الوطني عبر أجهزة استخبارات متخصصة تعمل في تناغم و تنسيق كامل، على رأسها المخابرات العامة المصرية المعنية بمتابعة التهديدات الإقليمية والدولية،
ودوائر الأمن القومي المسؤولة عن التقدير الشامل للمخاطر، إلى جانب الاستخبارات الحربية والعسكرية التي تمثل العقل المعلوماتي الداعم للجيوش الميدانية والقواعد العسكرية. هذا التكامل يجعل من المنظومة الاستخباراتية المصرية شبكة متماسكة، قادرة على الاستباق، لا مجرد رد الفعل.
كما تلعب المناطق العسكرية دورًا حيويًا في حماية العمق الاستراتيجي للدولة، وضمان ألّا يبقى شبر واحد خارج السيطرة والجاهزية.
فالمنطقة العسكرية المركزية تحمي قلب الدولة السياسي والاقتصادي، وتنسق بين القيادة العليا والجيوش الميدانية والقواعد الكبرى، وتتمتع بقدرة عالية على إدارة الأزمات.
والمنطقة العسكرية الشمالية تمثل خط الدفاع الأول عن السواحل والمجال البحري والاقتصادي، بالتكامل مع القوات البحرية والجوية.
أما المنطقة العسكرية الجنوبية الغربية، فهي عين مصر الساهرة على الصحراء والعمق الإفريقي، تؤمّن الحدود البعيدة، وتواجه التهديدات غير التقليدية في بيئات معقدة، مجسدة عقيدة الاستباق لا الانتظار.
وبهذا التوزيع عالي الكفاءة، لا تعتمد مصر على قوة مركزية واحدة، بل على شبكة دفاع ذكية، كل منطقة فيها قادرة على الصمود، وكل تهديد يُواجَه قبل أن يتحول إلى خطر على الأمن القومي.
وقوة مصر لا تكتمل إلا بجنودها الحقيقيين: الشعب المصري.
جيش الوعي والانتماء والصبر.
لا يحمل السلاح، لكنه يرفض الفتنة، ويحبط الشائعات، ويحمي الدولة من الانهيار من الداخل. وهو أخطر على أعداء مصر من أي دبابة أو طائرة، لأنه جيش لا يُهزم.
لقد فهمت مصر أن الحروب لم تعد جبهات فقط، وأن الأمن ليس بندقية وحدها، وأن الدولة القوية هي التي تمتلك توازن القوة: عسكرية، وأمنية، واستخباراتية، ومؤسسية، وشعبية.
لذلك نقولها بثقة وهدوء وفخر:
عزيزي المواطن المصري… ارفع رأسك…
مصر لا تملك جيشًا واحدًا… بل تملك جيوشًا.
جيوش تحمي…
وجيوش تبني…
وجيوش تعي…
وجيوش من التاريخ تهمس:
هذه الدولة العريقة، صاحبة الحضارة العظيمة، لن تنكسر أبدًا مهما كانت الظروف و التحديات، وستظل شامخة بين الأمم، قوية بوعي شعبها وثقافته الوطنية.
حفظ الله الوطن…
وتحيا مصر بوحدتها دائمًا وأبدًا، رغم أنف المفسدين والحاقدين والمتربصين.




