
نورا سمير فرج
كانت المرة الأولى التي يسمع فيها المجتمع المصري عن قصة الغارمات في المجتمع، عندما تولى الرئيس عبد الفتاح السيسي مقاليد الدولة في مصر، حيث أصدر قراره بالإفراج عن العديد منهن المحكوم عليهن في السجون المصرية، مع قيام صندوق “تحيا مصر” بسداد المبالغ المطلوبة عن باقي السيدات المتهمات في قضايا الغارمات. وبدأ الجميع يتساءل: من هن الغارمات في مصر؟
حيث اتضح أنهن سيدات مصريات “أرامل أو مطلقات”، يقعن تحت طائلة القانون والسجن بسبب ديون تم استدانتها لتلبية احتياجات أسرية ضرورية، أو نتيجة ضمان أقارب لهن، فأصبحن ضحايا للاستغلال المالي. وكان هؤلاء الغارمات يمثلن من 20 إلى 25% من إجمالي السجينات الموجودات في السجون المصرية، مع وجود نحو 30 ألف حالة غارقة في الديون، مما استدعى تدخل السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، على أن يقوم صندوق “تحيا مصر” بتشجيع مبادرات اجتماعية مع الجمعيات الأهلية لسداد ديون هؤلاء الغارمات.
وتبدأ القصة عادة بأن هناك سيدة مصرية فقدت زوجها، سواء كانت أرملة أو مطلقة، ووجدت نفسها مسؤولة عن تجهيز إحدى بناتها للزواج. فتستمع إلى نصيحة من أحد الأقارب بأنها يمكن أن تشتري مستلزمات تجهيز ابنتها بالتقسيط، وتوقع على شيكات أو كمبيالات، تحت المصطلح المصري الشهير: “بكرة ربنا يفرجها”. وتظن أنها ستجد عملاً أو مصدر دخل تسدد منه هذه الشيكات.
وتبدأ الفرحة بزواج الابنة، ثم تأتي بعدها المطالبات بسداد هذه الشيكات، وبالطبع لا تستطيع الأم السداد، ولذلك طبقًا للقانون يُحكم عليها بالسجن، وتدخل هذه الزوجة البريئة السجن مع شخصيات مجرمة بالفعل، وهي سيدة مصرية لم ترتكب أي جرم أخلاقي أو جنائي، لكنها طبقا للقانون تصرفت بأسلوب مخالف تستحق عليه عقوبة السجن
وهكذا نجد نساء وقعن في دائرة الديون لتلبية احتياجات الأسرة، مثل زواج الابنة، أو استكمال تعليم الأبناء، أو ديون لإجراء عملية جراحية، أو غير ذلك من المطالب الاجتماعية الضرورية. وتتفاقم المشكلة أكثر بدخول الزوجة أو الأم السجن، وعندما تخرج تصبح من أصحاب السوابق، مثلها مثل من اتُهمت في قضايا مخدرات أو سرقة أو جرائم مخلة بالشرف.
وتصبح هذه السيدة، طبقًا لسجلات الدولة، صاحبة سابقة. وعندما تحاول استخراج “فيش وتشبيه” للالتحاق بأي عمل، يُكتب أنها لها سابقة. كذلك ينال باقي الأبناء والأسرة العقوبة المعنوية والاجتماعية، حيث يصبح الأبناء أبناء أم مسجلة في السجلات بأنها دخلت السجن، مما يؤثر على فرصهم في الحياة والعمل والزواج.
ومن هنا يجب أن نقول إن هذه المشكلة لا تخص المرأة فقط، بل الأسرة كلها. ويجب أن يكون هناك دور لمؤسسات الدولة جميعًا، بدءًا من الإعلام، الذي يجب أن يوضح للمجتمع أن هؤلاء السيدات لم يرتكبن جرائم مشينة، وإنما كان تصرفهن بدافع الحفاظ على الأسرة واستكمال مسيرتها.
ويأتي هنا دور المشرع القانوني، الذي يجب أن يعيد تصنيف هذه الجريمة في القانون المصري حتى لا تكون مثل باقي الجرائم الجنائية التي تحرم الأسرة وأفرادها من استكمال حياتهم الطبيعية أو الحصول على فرص عمل مستقبلًا.
ويأتي الدور الأكبر أيضًا للمؤسسات الاقتصادية والشركات الكبرى، التي تخصص جزءًا من أرباحها لخدمة المجتمع، حيث يجب تخصيص جزء من هذه الأموال لصالح الغارمات، في إطار تحمل مصاريف الزواج والتعليم والعلاج للأرامل والمطلقات، من خلال وزارة التضامن الاجتماعي التي تبحث حالة كل أسرة على حدة، ثم ترشح الحالات المستحقة للمؤسسات الاقتصادية.
كما يأتي دور الجمعيات الأهلية المنتشرة في قرى ومدن مصر، والتي ارتكز نشاط معظمها على أعمال البر والخير مثل بناء المساجد وتجديدها، وتوفير الحج والعمرة، وبعض أوجه العلاج الطبي. ويجب أن يُضاف إلى هذه الجمعيات دور جديد، وهو متابعة الأسر المصرية التي فقدت عائلها بالوفاة أو الطلاق، وتحديد الزوجات الأرامل والمطلقات، ومساعدتهن ماليًا واجتماعيًا.
بل ويمكن لهذه الجمعيات أن توفر فرص عمل للزوجة المطلقة أو الأرملة، ولأبنائها أيضًا، حتى تستطيع الأسرة مواجهة مطالب الحياة دون الخوف من السقوط في دائرة الديون أو دخول السجون، وما يترتب على ذلك من آثار اجتماعية ونفسية.
فالمجتمع المصري خلية واحدة، أساسها الأسرة، خصوصًا بعدما زادت حالات الطلاق نتيجة ظروف الحياة الحديثة، التي لم تكن الأسرة المصرية معتادة عليها من قبل. ولذلك ظهرت حالات جديدة من التفكك الأسري، وازدادت معها الحاجة إلى حماية الأسرة المصرية، خاصة الأرامل والمطلقات، وهذا هدف مقال اليوم.
ولن أبالغ إن قلت إنه يجب إنشاء إدارة داخل وزارة التضامن الاجتماعي تسمى “حماية الأسر المصرية”، تضم مركز معلومات “Database” لكل الأسر التي تعولها امرأة “امرأة معيلة”، سواء كانت مطلقة أو أرملة، ليتم رعاية هذه الأسر، حتى لا تلجأ إلى الاستدانة من البنوك أو الأشخاص، وتكون نهايتها في سجل الغارمات.
إن حماية الأسرة المصرية، وحماية المجتمع، هي من أولويات الأمن القومي المصري. لذلك كان قرار الرئيس السيسي، فور توليه المسؤولية، بالإفراج عن الغارمات، وسداد قيمة الشيكات عن السيدات الغارمات من خلال برنامج “تحيا مصر”.
ومن خلال هذه المقالة أقول إن الهدف الحقيقي ليس فقط علاج المشكلة الحالية، بل منع تكرارها مستقبلًا، لينعم المجتمع المصري بأسرة هادئة مستقرة، وبالتالي يصبح الأمن والأمان من أهم أهداف الدولة المصرية والمجتمع المصري.
N-farag@hotmail.com







































