سيد الاسيوطي.. يكتب.. فراعنة الأحزاب… من منابر السياسة إلى شركات عائلية بلا شارع ولا جمهور

سيد الاسيوطي.. يكتب.. فراعنة الأحزاب… من منابر السياسة إلى شركات عائلية بلا شارع ولا جمهور

لم تكن الأحزاب السياسية في نشأتها مجرد لافتات تُعلّق على الجدران أو أسماء تُسجّل في السجلات الرسمية، بل كانت منابر للفكر، ومساحات للنقاش، ومدارس لتخريج القيادات، وجسورًا حقيقية بين الدولة والمجتمع. غير أن المشهد الحزبي في مصر اليوم يكشف عن مفارقة مؤلمة؛ إذ تحوّل عدد غير قليل من هذه المنابر العريقة إلى كيانات هشة، لا تعرف من السياسة إلا الاسم، ولا من العمل العام إلا المصلحة.
ففي زمن كان يُفترض أن تزدهر فيه التعددية وتتعمق فيه الممارسة الديمقراطية، فوجئنا بأحزاب تُدار بعقلية العائلة، وتُحكم بمنطق الشللية، وتُختزل في اسم زعيم أو رئيس لا يُعرف للحزب معه شارع، ولا جمهور، ولا مقر معلوم. أحزاب بلا قواعد، وبلا برامج مؤثرة، وبلا أثر ملموس في حياة الناس أو قضايا الوطن.
الأدهى أن بعض هذه الكيانات بات معروفًا في الوسط السياسي لا باسم الحزب، بل باسم صاحبه: حزب فلان لا حزب فكرة، وتنظيم علان لا تنظيم مشروع. حتى أصبح المشهد أقرب إلى سوق للشركات العائلية منه إلى ساحة للعمل الوطني، وأقرب إلى ملكيات خاصة منه إلى مؤسسات عامة تؤدي دورها في بناء الوعي وصناعة البدائل.
هنا يحق لنا أن نتساءل بقلق مشروع:
هل ما نراه أحزابًا سياسية حقًا؟
أم معابد جديدة تُعبد فيها الزعامة الفرعونية القديمة، وتُقدّس القيادة العقيمة، وتُغيب فيها المؤسسية والدور الوطني المطلوب؟
وإذا كان توصيف الداء ضرورة، فإن البحث عن الدواء واجب وأهم. فالمشهد الحزبي بهذا الشكل لا يسيء فقط إلى فكرة التعددية، بل يسيء إلى اسم مصر ذاته، الدولة العريقة صاحبة التاريخ والحضارة والسياسة الراسخة عبر آلاف السنين. مصر التي علّمت العالم معنى الدولة، لا يليق بها أن تتحول أحزابها إلى لافتات خاوية، أو شركات عائلية فرعونية، أو كيانات ورقية بلا روح ولا دور ولا جمهور.
ومن هنا، تقع المسؤولية الكبرى اليوم على عاتق القائمين على هذا الأمر، وفي مقدمتهم المشرّع وصانع القرار، لإعادة النظر بجدية وشجاعة في قانون الأحزاب السياسية، لوقف هذه المهزلة التي لا تليق باسم أحزاب مصر ولا باسم الدولة المصرية العريقة، وإغلاق الباب أمام الأحزاب الوهمية، وإعادة الاعتبار لمفهوم الحزب كتنظيم وطني حقيقي، لا كملكية خاصة أو مشروع فرعوني عائلي يورَّث أو منصة للمصالح.
فالأحزاب ليست ديكورًا سياسيًا، ولا أرقامًا في السجلات، ولا أسماء في الإعلام، بل ركيزة من ركائز الدولة الحديثة، وأداة لبناء الوعي، وصناعة القيادات، وتجديد النخب. وإذا أردنا حياة سياسية حقيقية، فإن تطهير الساحة الحزبية وإعادة ضبط قواعد اللعبة لم يعد ترفًا فكريًا، بل ضرورة وطنية لا تحتمل التأجيل.

img_٢٠٢٦٠١١٥_١٧٤٣٣٧1669159898672059844 سيد الاسيوطي.. يكتب.. فراعنة الأحزاب… من منابر السياسة إلى شركات عائلية بلا شارع ولا جمهور