
لم تعد الحروب في الشرق الأوسط تُعرَف من خلال الصواريخ والدبابات والتحالفات العسكرية التقليدية، بل أصبحت شبكة معقدة من المصالح السياسية والاقتصادية والضغوط الخفية التي تتحرك خلف الكواليس. ومع اشتعال الأزمات المتتالية في المنطقة، يطرح كثير من المراقبين سؤالًا بالغ الأهمية والحساسية: من يدفع المنطقة فعلًا نحو حافة الانفجار؟
هل ذلك نتيجة قرارات سياسية مباشرة من واشنطن وتل أبيب، أم أن هناك دوائر نفوذ وشبكات ضغط كثيرة لعبت دورًا غير مباشر في تشكيل مسار الأحداث الجارية حاليًا في المنطقة؟
فمنذ أن تولى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مقاليد الحكم، شهدت السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط تحولًا كبيرًا. فقد انسحبت واشنطن من الاتفاق النووي الإيراني، وفرضت عقوبات غير معهودة، ومنحت بنيامين نتنياهو وحكومته المتطرفة دعمًا سياسيًا وعسكريًا واستراتيجيًا واسعًا، وهو ما ساهم في رفع مستوى التوترات الإقليمية إلى درجات غير مسبوقة.
ولكن المشهد لا يتوقف عند حدود القرارات السياسية المعلنة، فبعض المحللين والمتخصصين يذهبون إلى أن شبكات النفوذ والعلاقات المعقدة في عالم المال والسياسة لعبت دورًا كبيرًا وغير مباشر في تشكيل موازين القوة، وهو ما اتضح بعد إعادة فتح ملفات رجل الأعمال الأمريكي الراحل جيفري إبستين، مما أظهر طبيعة التشابكات الخفية بين السلطة والمال والنفوذ في مراكز القرار العالمية. فقد كشفت التحقيقات والتقارير الإعلامية عن شبكة علاقات واسعة ضمت رجال أعمال وسياسيين وشخصيات نافذة حول العالم متورطة في أعمال شاذة ومنافية للآداب والأخلاق الإنسانية،
وهو ما دفع البعض إلى التساؤل عما إذا كانت مثل هذه الملفات الحساسة قد تم استخدامها كأدوات ضغط داخل دوائر السلطة أو للتأثير غير المعلن داخل الدوائر السياسية والإعلامية في الولايات المتحدة الأمريكية ودول الغرب وحتى دول عربية وإقليمية.
وفي ظل هذه الأحداث والتحولات الدولية، جاءت الحرب في قطاع غزة لتكشف حجم المأساة الإنسانية التي أظهرت التواطؤ السياسي الدولي مع القضية. فقد تعرض القطاع لدمار واسع وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين من أطفال ونساء وشيوخ، في مشهد وصفته منظمات دولية عديدة بأنه مأساة إنسانية لم يشهدها العالم من قبل، وتمثل انتهاكات صارخة وخطيرة للقانون الإنساني الدولي.
كما أصدرت محكمة العدل الدولية قرارات وتدابير كثيرة تتعلق بحماية المدنيين، إلا أن تجاهل هذه القرارات من قبل بعض القوى الدولية الكبرى أثار تساؤلات حول مدى قوة النظام الدولي نفسه أمام قوة ونفوذ هذه الشبكات الخفية، وقدرته على فرض احترام القرارات والقوانين الدولية.
وفي ظل هذا الصراع العسكري الدائر في الشرق الأوسط بين إسرائيل وحلفائها وإيران وأذرعها، حملت المواجهات المتصاعدة مفاجآت كبيرة وخطيرة أيضًا أربكت حسابات العديد من العواصم حول العالم، فمع تصاعد التوتر والنزاع، أظهرت القدرات الصاروخية والطائرات المسيّرة لدى إيران وحلفائها في المنطقة مفاجأة مدوية، خاصة في لبنان والعراق، وأخيرًا دخول جماعة أنصار الله الحوثي على الخط، مما وسّع نطاق المواجهة ورفع مستوى المخاطر الإقليمية.
ومن هذه المفاجآت التي أحدثت تغييرًا كبيرًا في المعادلة السياسية والعسكرية، أن إيران وحلفاءها تمكنوا خلال هذه المواجهة، كما تشير بعض الأنباء، من إسقاط طائرات حربية أمريكية وطائرات مسيرة، ومهاجمة حاملات الطائرات الأمريكية بصواريخ وطائرات مسيرة، مما أخرجها من الخدمة، وأيضًا استهداف كافة المدن الإسرائيلية والقواعد والمصالح الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة، ما أثار صدمة كبيرة واستغرابًا لدى القيادة الأمريكية والإسرائيلية، مما تسبب في إعادة رسم خريطة موازين الردع الإقليمية والدولية.
كما تصاعدت التصريحات الصادرة عن القيادة الإيرانية الجديدة، وعلى رأسها المرشد الأعلى مجتبى خامنئي، والتي تضمنت تصريحات عنترية وتحذيرات من احتمال توسيع دائرة الصراع وتهديد الممرات البحرية الحيوية في المنطقة، بما في ذلك المضايق التي تمر عبرها نسبة كبيرة من تجارة الطاقة العالمية. ومع ذلك، ظهرت تصريحات الرئيس الأمريكي ترامب مهزوزة وغير منطقية في بعض المواقف، مما زاد من حساسية الوضع الدولي وأدى إلى تساؤلات عن استراتيجية واشنطن في إدارة الصراع، ما دفع بعض المحللين إلى التساؤل عن مدى قدرة أجهزة الاستخبارات الغربية، وعلى رأسها الموساد ووكالة المخابرات المركزية، على تقدير الموقف وحجم القدرات العسكرية الإيرانية وشبكة حلفائها الإقليميين والدوليين.
وهكذا لم يعد السؤال الحقيقي: من الذي ورط من في هذه الحرب؟ هل هي قرارات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المنفعلة وغير المسؤولة، أم سياسات حكومة بنيامين نتنياهو المتطرفة التوسعية، أم شبكة المصالح والنفوذ التي تسيطر على السياسة الدولية منذ عقود، والتي أعادت فتح ملفات جيفري إبستين السرية،
هل هي لكشف المستور ومدى التشابك بين أصحاب النفوذ السياسي والاقتصادي؟ أم لتهديد كل من تورط فيها من شخصيات سياسية حول العالم لتنفيذ المشروع الصهيوني الكبير غير المعلن حتى الآن؟
وما بين هذا وذاك، واتساع نطاق التوتر بين القوى الإقليمية والدولية، والدمار الإنساني الهائل الذي شهدته الأرض الفلسطينية في قطاع غزة والضفة الغربية وما زالت، وما يشهده لبنان اليوم من تجاوزات خطيرة من الكيان الإسرائيلي الغاصب، ومحاولة جر دول الخليج العربي وحلفائهم إلى ساحة الصراع،
كلها مؤشرات تؤكد أن المنطقة لم تعد مجرد ساحة نزاع إقليمي، بل أصبحت نقطة اختبار حقيقي لقدرة النظام العالمي على البقاء. فبين قرارات سياسية غير مسؤولة، وصراعات القوى الكبرى، وشبكات النفوذ التي تتحرك خلف الكواليس، تحولت المنطقة إلى ساحة صراع مفتوحة يدفع ثمنها ملايين الأبرياء دون مبرر.
فإذا استمرت هذه الصراعات دون ضوابط أو حلول حقيقية، فلن يكون الشرق الأوسط وحده أمام الخطر، بل النظام الدولي بأسره. وعلى قادة العالم اليوم أن يدركوا أن ما يحدث في هذه اللحظات الفارقة ليس نزاعات إقليمية فقط، بل اختبار حقيقي لقدرتهم على وقف التجاوزات الإسرائيلية المدعومة من الولايات المتحدة الأمريكية في حق الشعوب، ومنع الكوارث التي قد تحدث لو تطور الوضع إلى حروب نووية، حفاظًا على حقوق الإنسان في الحياة.
فالخيار أمام الجميع واضح: إما وقف دوامة الحروب وإعادة السلام الدائم والشامل، وعلى رأسه القضية الفلسطينية، أو الاستسلام للفوضى وقانون الغاب، الذي ينذر بكارثة إنسانية إقليمية ودولية محققه،







































