
إن المتابع للأحداث يجد أن الشرق الأوسط لم يعد يعيش مجرد توترات سياسية عابرة كما كان يحدث سابقًا، بل أصبح ساحة مفتوحة للمشاريع الكبرى والطموحات الجيوسياسية.
وفي ظل هذا المشهد المعقد والمضطرب تقف الدول العربية في مرحلة حرجة للغاية، ليست كأطرافٍ مشاهدة أو متأثرة بما يجري حولها فحسب، بل كأرضٍ تدور فوقها معركة النفوذ بين مشروعين كبيرين: مشروع حلم التوسع الإسرائيلي العقائدي، والمشروع الإيراني العابر للحدود.
فمنذ قيام دولة الكيان الإسرائيلي الغاصب على الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948، ظل حلم التوسع حاضرًا في الفكر السياسي لتيارات دينية متطرفة داخل الكيان الصهيوني المحتل، سواء عبر السيطرة العسكرية والأمنية أو عبر فرض واقع جغرافي وسياسي جديد في المنطقة. ومع صعود الحكومات اليمينية المتطرفة التي يقودها رئيس الوزراء الإسرائيلي المهوس والحالم بالزعامة الزائفة بنيامين نتنياهو، تعززت لديهم فكرة سياسات القوة وفرض الأمر الواقع، وازدادت العمليات العسكرية والتوترات والصراعات، خاصة في الأراضي الفلسطينية المحتلة مثل قطاع غزة والضفة الغربية، وبعض المناطق الحدودية في سوريا ولبنان، ومناطق أخرى في المنطقة.
وفي المقابل، تعمل إيران أيضًا منذ عقود على بناء نفوذ إقليمي واسع فيما يُسمى بـ”محور المقاومة والممانعة”، مستفيدة من بعض النزاعات الطائفية والمذهبية والعرقية، ومن حالات الضعف السياسي والعسكري في بعض الدول العربية، ومن حالة الصراعات المزمنة في المنطقة. وقد تمدد هذا النفوذ عبر ساحات متعددة مثل العراق وسوريا ولبنان واليمن، وهناك أيضًا خلايا نائمة يمكن أن تظهر في أي وقت داخل دول عربية وإقليمية أخرى، حيث باتت هذه الساحات مسارح مباشرة في النزاع القائم بين القوى الإقليمية والدولية.
ورغم أن كلاً من إسرائيل وإيران لهما أهداف متشابكة من حيث الفكر التوسعي والنفوذ الإقليمي، إلا أنه، وبكل صراحة ووضوح، يبقى المشروع التوسعي للكيان الصهيوني المحتل هو الأشد خطورة على الأمن القومي العربي. ويرجع ذلك إلى ما يحظى به هذا المشروع من دعم مباشر وقوي من الولايات المتحدة الأمريكية وعدد من الدول الغربية الكبرى، وهي دول تمتلك نفوذًا سياسيًا واسعًا وقدرات عسكرية هائلة، ولها أيضًا مصالح استراتيجية وأطماع واضحة في الموقع الجغرافي الحيوي والاستراتيجي للمنطقة العربية، وفي ثرواتها الهائلة من الطاقة والموارد الطبيعية.
ويبدو أن الحلم الذي طالما راود رئيس الوزراء الإسرائيلي المهوس بنيامين نتنياهو وحكومته اليمينية المتطرفة بات يقترب، من وجهة نظرهم فقط، خاصة في ظل إدارة الرئيس الأمريكي المنفعل والمنفلت دونالد ترامب، الذي يتخذ قراراته أحيانًا بمنطق رجل الأعمال الذي يرى العالم وكأنه شركة كبرى خاصة، وهو وحده من يملك حق الإدارة والقرار وتوزيع الأدوار كما يشاء. لذلك ينظر بعض المحللين والمتخصصين إلى سياساته في المنطقة باعتبارها من أكثر السياسات اندفاعًا وانحيازًا للمواقف الإسرائيلية ومشروعها التوسعي مقارنة بعدد من الإدارات الأمريكية السابقة.
وبين هذه الأحلام والمشروعات التوسعية الخطرة، يجد العرب أنفسهم في قلب الأحداث، وفي معركة لم يختاروها، لكنها تُخاض على أرضهم رغم إرادتهم، وتؤثر مباشرة في أمنهم واستقرارهم، وفي حاضر أبنائهم ومستقبل أجيالهم القادمة.
ومع تصاعد التوترات العسكرية بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل وحلفائهما من جهة، وإيران وحلفائها من جهة أخرى، تقف المنطقة بأكملها على حافة الهاوية، في مواجهة أوسع وأشمل قد تتحول إلى صراع إقليمي وربما دولي في أي لحظة.
ورغم ما تشهده بعض الدول العربية المجاورة من تجاوزات مرفوضة من أطراف الصراع المختلفة، ومن محاولات متكررة للزج بها بطرق مباشرة وغير مباشرة لتكون طرفًا في النزاع أو ساحات لحرب بالوكالة، فإن الرؤية السياسية الحكيمة لقادة هذه الدول حتى الآن حالت دون الانزلاق إلى معركة قد تكون لها أهداف خفية وتداعيات ونتائج مدمرة على استقرار المنطقة وشعوبها.
لكن الصبر والحكمة والدبلوماسية لها حدود.
ومن هنا تكون الرسالة، ويبقى الأمل معقودًا على الأطراف المتحاربة، وخاصة الدولة الإيرانية الجاره لدول الخليج العربي والتي تعتبرها بعض الدول العربية والإسلامية دولة شقيقة،
و أن تعي جيدا حساسية هذا التوازن، وأن تحترم صبر وحكمة الدول المجاورة وشعوبها. فكثير من شعوب الأمة العربية تقدّر وتحترم، بل وتؤيد، المواقف التي تتخذها إيران وحلفاؤها في مواجهة سياسات الكيان الصهيوني الغاشم المدعوم من الولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول الغربية،
لكن في الوقت نفسه ترفض الشعوب العربية والإسلامية بشكل قاطع أي تجاوز أو اعتداء على الدول العربية الشقيقة، أو محاولة جرها إلى صراعات ليست طرفًا فيها، ولا تخدم استقرارها ولا مصالح شعوبها.
والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة، وبدون مجاملة أو دبلوماسية:
هل ستظل الدول العربية مجرد ساحات لتصفية الحسابات بين المشاريع الإقليمية والدولية الكبرى؟
أم أن اللحظة التاريخية قد حانت لصياغة مشروع عربي موحد ومستقل يعيد توازنات المصالح الإقليمية ويحمي الشعوب من القتل والدمار؟
إن ما يحدث في الشرق الأوسط ليس مجرد صراع عسكري أو سياسي، بل هو صراع على مستقبل المنطقة وهويتها وموازين القوة فيها. وفي مثل هذه اللحظات المفصلية من عمر الأمة، تصبح الوحدة العربية واجبًا وطنيًا، وبناء القوة العربية المشتركة ضرورة وجودية، لا مجرد خيار سياسي.
وفي النهاية، فإن أخطر ما يواجه العالم العربي اليوم ليس فقط صراع المشاريع الإقليمية، بل الخطر الأكبر أن تتحول المنطقة إلى ساحة دائمة للحروب بالوكالة، تُدار فيها المعارك فوق الأراضي العربية لصالح أطماع ونفوذ ومصالح دول أخرى.
لذلك فإن التحدي الحقيقي أمام العرب اليوم ليس فقط مواجهة التوسع أو النفوذ الخارجي، بل بناء رؤية عربية مشتركة قادرة على حماية الأمن القومي العربي، وصياغة مستقبل المنطقة بأيدي أبنائها الشرفاء الأوفياء.
فإما أن يكون العرب طرفًا فاعلًا في معادلة القوة الجديدة التي تتشكل في العالم،
وإما أن يبقوا مجرد ساحة مفتوحة دون حماية يتصارع فوقها أصحاب المشاريع والأحلام التوسعية الكبرى.
حفظ الله الوطن وتحيا الأمة العربية بوحدتها دائما وابدا رغم أنف المفسدين والحاقدين والمتربصين،







































