
في لحظة شديدة الخطورة من تاريخ الشرق الأوسط، لم تعد الحروب تُدار فقط عبر الجيوش والصواريخ، بل دخلت المنطقة مرحلة أكثر غموضًا وخطورة؛ مرحلة الصراع عبر الاغتيالات السياسية والأمنية. ومع تصاعد المواجهة بين إسرائيل وإيران وتزايد التوتر بين القوى الإقليمية والدولية، يبدو أن قواعد الاشتباك القديمة بدأت تتهاوى، وأن المنطقة تقف على أعتاب عصر جديد قد تتحول فيه رؤوس السلطة نفسها إلى أهداف مباشرة في معادلة الصراع.
فمنذ سنوات طويلة كانت هناك قواعد غير مكتوبة تحكم الصراع في المنطقة؛ ضربات محدودة، وعمليات استخباراتية، ورسائل ردع متبادلة دون الوصول إلى استهداف مباشر لرؤوس الأنظمة. لكن هذه القواعد بدأت تتآكل تدريجيًا مع تصاعد الصراع بين إسرائيل وإيران، خصوصًا في ظل السياسات الأمنية التي انتهجتها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة بقيادة رئيس الوزراء المهووس بالزعامة الزائفة بنيامين نتنياهو.
إن العقيدة الأمنية الإسرائيلية تقوم منذ عقود على مبدأ الضربة الاستباقية، أو بالمعنى الأوضح سياسة الاغتيالات السياسية؛ أي تصفية الخطر قبل أن يتحول إلى تهديد وجودي. وقد تجسدت هذه العقيدة في سلسلة طويلة من العمليات التي استهدفت شخصيات تعتبرها إسرائيل مفاتيح قوة لدى خصومها.
وفي المقابل، لم تقف إيران مكتوفة الأيدي. فمنذ إنشاء الحرس الثوري الإيراني تشكلت عقيدة مختلفة في الشكل لكنها قريبة في الجوهر، تعتمد على الرد غير المباشر وتوسيع ساحات المواجهة عبر شبكة من الحلفاء الإقليميين، ما يجعل أي صراع مع طهران يمتد إلى أكثر من جبهة في المنطقة.
ويرى عدد من المحللين أن العالم قد يكون دخل بالفعل مرحلة يمكن تسميتها بعصر اغتيال القادة، حيث لم تعد العمليات السرية تقتصر على استهداف القادة العسكريين أو الشخصيات الميدانية وعلماء وخبراء الطاقة النووية كما كان يحدث سابقًا، بل أصبحت تمتد أحيانًا إلى أعلى هرم السلطة السياسية.
وقد شهدت المنطقة والعالم سوابق عديدة هزّت موازين القوى، من استهداف الزعيم الليبي معمر القذافي، إلى استهداف قيادات بارزة في حركات المقاومة مثل إسماعيل هنية وحسن نصر الله، وصولًا إلى استهداف شخصيات سياسية بارزة مثل سيف الإسلام القذافي الذي كان يتم تجهيزه لقيادة ليبيا.
وتكشف هذه السوابق أن الصراعات الحديثة لم تعد تستبعد أي مستوى من مستويات القيادة عندما ترى الأطراف المتصارعة أن بقاء تلك الشخصيات يمثل تهديدًا استراتيجيًا مباشرًا لمصالحها.
ومع اغتيال المرشد الأعلى للثورة الإسلامية في إيران آية الله علي خامنئي مع أسرته قبل أيام على يد جهاز الموساد وبالتعاون مع وكالة المخابرات المركزية، تولى نجله مجتبى خامنئي القيادة مرشدًا أعلى، ليصبح المشهد أكثر تعقيدًا. فالمرشد الجديد، الذي نشأ داخل دوائر الحرس الثوري وتربى في المؤسسات العسكرية والأمنية الإيرانية، يمثل جيلًا أكثر صرامة في إدارة الصراع مع إسرائيل وحلفائها.
وهنا يظهر السؤال الأهم والأكثر خطورة:
هل يسعى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى توجيه ضربة قاصمة للمشروع الإيراني عبر استهداف المرشد الجديد الذي قد يصبح خطرًا استراتيجيًا على الكيان الإسرائيلي والمصالح الأمريكية؟
أم أن القيادة الإيرانية الجديدة قد ترى أن تثبيت شرعيتها يتطلب ردًا قويًا بقطع “رأس الأفعى” من وجهة نظرها، المتمثل في اغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي وأعضاء حكومته، وربما استهداف شخصيات قيادية أخرى في الشرق والغرب، بما يعيد رسم معادلة الردع ويغير موازين القوى في المنطقة والعالم؟
وما يزيد المعادلة تعقيدًا السياسات العنيفة التي يتبعها الرئيس الأمريكي المنفعل دونالد ترامب وإدارته في البيت الأبيض. فهو من أكثر الرؤساء إثارة للجدل في تاريخ الولايات المتحدة، وقد قاد منذ توليه السلطة سياسات ضغط غير مسبوقة على إيران وعلى دول عديدة حول العالم، وفتح الباب أمام مواجهات مباشرة وغير مباشرة في أكثر من ساحة.
وفي حال استمرار هذه المواجهات بهذا النمط غير المنضبط، تصبح احتمالية تورط دول عديدة في الوطن العربي والشرق الأوسط أمرًا واردًا، سواء لدعم حلفائها أو للحفاظ على مصالحها الإقليمية والاستراتيجية والاقتصادية. كما قد تنخرط قوى دولية كبرى مثل الصين وروسيا وأوروبا بشكل مباشر أو غير مباشر، ما قد يحول الصراع من نزاع ثنائي إلى مواجهة إقليمية واسعة تعيد رسم خريطة القوة في الشرق الأوسط لعقود قادمة.
لذلك، وفي ظل هذا المشهد المتوتر والمعقد، تقف المنطقة على أعتاب مرحلة جديدة قد تتحول فيها حروب الظل التي تديرها أجهزة المخابرات إلى صراع أكثر وضوحًا وأشد خطورة.
فحين تصبح القيادات العليا، من رأس السلطة إلى المؤسسات السياسية والعسكرية والأمنية والعلمية، أهدافًا محتملة، فإن قواعد اللعبة تتغير، ويصبح التصعيد أسرع وأعنف، ويقترب الشرق الأوسط أكثر من مرحلة خطيرة من الصدام المدمر بين القوى المتصارعة.
ويبقى السؤال الأهم الذي يفرض نفسه بقوة:
هل نشهد بالفعل محاولات اغتيالات كبرى بين أطراف الصراع؟
أم ستظل تصريحات التهديد والوعيد المتبادل والتلميحات بالاغتيال مجرد أدوات للضغط السياسي؟
فالإجابة عن هذا السؤال لن تحدد فقط مصير الصراع بين إسرائيل وإيران، بل قد ترسم ملامح الشرق الأوسط والنظام العالمي لعقود قادمة.
إن الشرق الأوسط يقف اليوم على حافة لحظة تاريخية حاسمة. لم تعد الشعارات الرنانة ولا بيانات الشجب والتنديد كافية، بل أصبحت الحاجة ملحة إلى وحدة عربية حقيقية ومشروع دفاع مشترك وجيش عربي قوي موحد قادر على حماية مصالح الأمة وأمنها القومي.
فالعالم اليوم لا تحكمه إلا موازين القوة، وفي ظل تراجع الضمير الإنساني العالمي وضعف القانون الدولي، لم يعد البقاء إلا لمن يملك القدرة على حماية وجوده وفرض إرادته.
فإما أن تستعيد الأمة العربية وحدتها وقوتها وتبني مشروعها الدفاعي المشترك، وإما أن تظل ساحة مفتوحة لصراعات الآخرين وميدانًا لتصفية الحسابات الدولية.
حفظ الله الأمة العربية بوحدتها وقوتها دائمًا وأبدًا.






































