
عاشت دول العالم لحظات من التفاؤل بعد الأزمات الاقتصادية التي نتجت عن إغلاق مضيق هرمز، وذلك عندما أعلن الرئيس الأمريكي ترامب أنه وافق على وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين، بعد وساطة مصرية باكستانية تركية، وأنه سيتم إجراء مباحثات بين الولايات المتحدة وإيران في إسلام آباد العاصمة الباكستانية.
وجاءت لحظة التفاؤل عندما اعتقد الجميع أن هذه المباحثات سوف ينتج عنها فتح مضيق هرمز للملاحة، ويعود تدفق النفط الذي يمثل 20% من الإنتاج العالمي، وتختفي الأزمة الاقتصادية التي تمر بها دول العالم. وزاد من حجم التفاؤل أن الرئيس الأمريكي أرسل نائبه “ديفانس Vance” رئيسًا للوفد الأمريكي في المفاوضات، وكانت هذه هي المرة الأولى التي ترأس فيها أمريكا وفدها في المفاوضات مع إيران بواسطة نائب الرئيس.
كذلك، على الطرف الآخر، جاء رئيس الوفد الإيراني محمد باقر، رئيس البرلمان، ومعه وزير الخارجية، وبرفقتهما وفد من سبعين شخصًا يمثلون مختلف الأطياف في إيران، على أساس أنه سيتم الوصول إلى حل نهائي خلال تلك المفاوضات، ويعود السلام للمنطقة والعالم. خصوصًا أنها كانت المرة الأولى التي سيجلس فيها الوفد الأمريكي أمام الوفد الإيراني، في غرفة واحدة وعلى منضدة واحدة، وجهًا لوجه، يتكلمون معًا، عكس ما كان يتم في الماضي حين يكون كل وفد في غرفة مستقلة، ويتنقل الوسيط بينهما ناقلًا الآراء والمقترحات.
ولكن جاءت الصدمة بعد واحد وعشرين ساعة من المباحثات، حين خرج “ديفانس Vance” نائب الرئيس الأمريكي ليعلن فشل المفاوضات وعودة الوفد الأمريكي إلى الولايات المتحدة، وعلى الطرف الآخر غادر الوفد الإيراني إلى بلاده. وهنا توتر الموقف من جديد.
ووقف الرئيس الأمريكي ليعلن أن أمريكا سوف تفرض حصارًا بحريًا على إيران، مثلما فعلت من قبل مع فنزويلا في أمريكا الجنوبية. وكل ذلك من أجل الضغط على إيران لكي تعود إلى المفاوضات مرة أخرى، وتنفذ المطالب الأمريكية الرئيسية، وهي فتح مضيق هرمز للملاحة العالمية بدون أي شروط، وتسليم كمية اليورانيوم الإيراني المخصب البالغة 450 كيلو جرامًا بنسبة تخصيب 60%، حتى لا تقوم إيران بصنع عشر قنابل نووية في أيام قليلة.
وهنا تساءل الجميع: ماذا يعني الحصار البحري الذي سوف يفرضه الرئيس الأمريكي على إيران؟
فالحصار البحري يعني سد جميع المنافذ البحرية إلى أي ميناء بحري في إيران على الساحل، وهو أداة عسكرية اقتصادية استراتيجية تُستخدم لمنع الوصول البحري للدولة، وقطع مصادر الإمداد، أي منع دخول أي بضائع أو خروج بضائع من الدولة عبر الموانئ والمنافذ البحرية.
ومن هذا المنطلق، تم وضع قرار الرئيس الأمريكي بتطبيق الحصار على إيران اعتبارًا من يوم 13 أبريل، على أساس فرض حصار على جميع حركة الملاحة البحرية المتجهة إلى الموانئ الإيرانية أو المغادرة منها. حيث أصدر الرئيس الأمريكي أوامره للقوات البحرية الأمريكية بأن تقوم بتعقب واعتراض أي سفينة في المياه الدولية متجهة إلى إيران أو خارجة منها.
كما أشار الرئيس الأمريكي إلى أن الولايات المتحدة سوف تبدأ في إزالة الألغام التي قامت إيران بزراعتها في المضيق.
وطبقًا للمفاهيم العسكرية، سوف يبدأ الحصار البحري بقيام السفن والمدمرات البحرية الأمريكية باعتراض وتفتيش جميع السفن المتجهة إلى الموانئ الإيرانية أو القادمة منها، مع السماح بمرور باقي السفن التي تعبر المضيق متجهة إلى موانئ دول أخرى في المنطقة.
كما ستراقب طائرات الاستطلاع الأمريكية والأقمار الصناعية من الجو حركة السفن في المنطقة، لمتابعة أي سفينة قد تدخل أي ميناء في إيران، ليتم ضبطها فور خروجها من المضيق. وبالطبع سوف تُمنع من البداية أي سفينة من دخول أي ميناء إيراني فور إعلان البحرية الأمريكية ذلك.
حيث ستمتنع ناقلات النفط من الدخول إلى الموانئ الإيرانية، كما سوف توقف شركات التأمين البحري في العالم التأمين على أي سفينة متجهة إلى الموانئ الإيرانية. وبالطبع، فإن ذلك يعني لا دخول ولا خروج لأي بضائع أو مواد، سواء بترولية أو غير بترولية، إلى إيران.
وبالتالي لن تستطيع إيران تصدير بترولها أو استيراد أي من احتياجاتها من الخارج، وهو ما يعني توقف الحياة الاقتصادية تدريجيًا داخل إيران، لأنه لن يتبقى لها إلا النقل الجوي. وبالفعل، فإن الأسطول التجاري الإيراني أصبح محدودًا أصلًا بسبب نقص قطع الغيار نتيجة العقوبات الأمريكية السابقة.
وهكذا ستنجح أمريكا في تضييق الحصار الاقتصادي على إيران، وحرمانها من تصدير بترولها، الذي يمثل عصب الاقتصاد والدخل القومي الإيراني.
لذلك فإنني أعتقد أن الحصار البحري بهذا الأسلوب، سوف يزيد الضغط على إيران، وسوف يدفعها إلى العودة إلى منصة المفاوضات، وتقديم بعض التنازلات للوصول إلى سلام دائم في المنطقة.
وبالفعل جاءت الأخبار السعيدة، بأنه سيتم الدخول في جولة جديدة من المفاوضات بين الطرفين الإيراني والأمريكي في إسلام آباد. وأعتقد أن إيران قد استوعبت الدرس، وعلى الأقل يمكن لها أن توافق على فتح مضيق هرمز واستكمال التنسيق مع الجانب الأمريكي للوصول الى اتفاق سلام.







































