سيد الأسيوطي يكتبالحرب الأمريكية في الشرق الأوسط.. المُعلَن: إيران… وما خفي كان أعظم

سيد الأسيوطي يكتبالحرب الأمريكية في الشرق الأوسط.. المُعلَن: إيران… وما خفي كان أعظم

ليست الحرب الأمريكية في الشرق الأوسط حدثًا طارئًا، ولا ردَّ فعلٍ عابرًا على سلوك دولة بعينها، بل هي مسارٌ ممتدٌّ، تتغيّر فيه العناوين وتبقى الأهداف ثابتة.
اليوم يُرفَع اسم إيران بوصفها العدو المعلن أمام العالم، وغدًا قد يُستبدَل الشعار باسم دولةٍ أخرى، لكن جوهر الصراع أعمق بكثير مما يُروَّج للرأي العام العالمي.
لقد أصبحت إيران في الخطاب الرسمي الأمريكي والغربي تُقدَّم بوصفها الخطر الأكبر على “الاستقرار الإقليمي والدولي”، بسبب برنامجها النووي، ونفوذها الإقليمي، وشعاراتها الثورية المهدِّدة للآخرين.
غير أن من يقرأ المشهد جيدًا يكتشف أن إيران ليست سوى واجهة للصراع في الشرق الأوسط، وليست الجوهر الحقيقي له.
فالولايات المتحدة لا تخوض حروبها بسبب أيديولوجية الخصوم فقط، ولا دفاعًا عن الحرية أو العدالة الاجتماعية أو الكرامة الإنسانية للشعوب كما تدّعي، بل من أجل منع تشكُّل قوة إقليمية مستقلة تخرج عن السيطرة، وايضا من أجل السيطرة على مفاتيح الطاقة والممرات الاستراتيجية، وإعادة تشكيل التوازنات بما يضمن التفوق الأمريكي طويل الأمد.
غير أن هذا التفوق لا يمكن فهمه كاملًا دون الإشارة إلى الهدف المركزي غير المُعلَن، وهو ضمان التفوق المطلق والهيمنة الاستراتيجية لإسرائيل في الإقليم.
فكل حرب، وكل فوضى، وكل إضعاف لدولة مركزية في الشرق الأوسط، يصب في نهاية المطاف في معادلة واحدة: خدمة حلم إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات.
و لكي تبقى إسرائيل الأقوى عسكريًا، والأكثر أمنًا، والأقل تهديدًا، في محيطٍ عربي وإقليمي مُنهَك، و متنازع، ومفتَّت الإرادة.
ومن هذا المنظور، تكمن الخطورة الحقيقية؛ فالصراعات لا تُدار من أجل إسرائيل فقط، بل من خلالها أيضًا، باعتبارها القاعدة المتقدمة للمشروع الغربي، والذراع العسكرية الأكثر جاهزية، والكيان الذي لا يُسمَح مطلقًا بظهور قوة موازية له في الشرق الأوسط.
وأصبح التوجّه الأمريكي معروفًا للجميع: التعامل مع الدول بازدواجية المعايير، ودون احترامٍ للسيادة أو للقانون الدولي.
بل تحوّل الشرق الأوسط، بصفة خاصة، إلى ساحة مفتوحة لإدارة الصراعات الطائفية والمذهبية والعرقية، بما يخدم المصالح العليا للولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل وبعض الدول الأوروبية.
فالضغط على إيران لا ينفصل عن مساعي تحجيم الدورين الروسي والصيني في المنطقة، في إطار منظومة هيمنة أشمل.
والحرب الحقيقية لا تكون دائمًا قصفًا مباشرًا، بل حرب تفكيك بطيئة، تقوم على الإنهاك الاقتصادي بالعقوبات، والاختراق الاجتماعي والإعلامي، وتأليب الرأي العام ضد الأنظمة، لتفكيك الجبهات الداخلية وضرب الوحدة الوطنية للشعوب، والاستنزاف عبر الحروب بالوكالة.
وهي أدوات استُخدمت كثيرًا في الوطن العربي وأفريقيا، ونجحت في تحقيق أهدافها، وما زال المخطط مستمرًا.
ومن يتابع ما جرى ويجري بوعي، يدرك أن الشرق الأوسط تحوّل فعليًا إلى حقل تجارب مفتوح لأحدث الأسلحة، وساحة عرض حيّة لشركات تصنيع السلاح والمعدات والتقنيات العسكرية الحديثة.
حروب لا تُدار لتحقيق أهداف سياسية فقط، بل لاختبار منظومات قتل أكثر تطورًا وفتكًا، وعقد صفقات بمليارات الدولارات فوق ركام المدن وأجساد الأبرياء.
ولا يخفى على أحد أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كان يتعامل مع السياسة بلغة الصفقات، بوصفه ممثلًا مباشرًا لمجمّع الصناعات العسكرية، ويتعامل مع الدماء باعتبارها أرقامًا في دفاتر المصالح.
فخطابه لم يكن خطاب دولة عظمى تبحث عن الاستقرار، بل خطاب تاجر يرى في الفوضى فرصة، وفي الحرب سوقًا، وفي الموت استثمارًا.
ومن يظن أن الصراع سيتوقف عند إيران يخطئ التقدير؛ فالعراق كان “الخطر”، ثم ليبيا، ثم سوريا، واليوم إيران، وغدًا أي دولة تحاول امتلاك قرارها السياسي أو الاقتصادي أو العسكري.
القاعدة واضحة: الاستقلال الحقيقي هو الجريمة غير المغفورة لدى الولايات المتحدة الأمريكية وأدواتها في العالم.
أما الشعوب، فهي الخاسر الأكبر في هذه المعادلة الصعبة؛ من استنزاف الموارد، إلى تشويه الوعي، وضرب الثقافة والهوية الوطنية.
لذلك أصبح الوعي المجتمعي ووحدة الصف ضرورةً حتمية، للتمييز بين العدو الحقيقي والعنوان المضلِّل، وبين الصراع المصنوع والمصلحة الوطنية.
فليس المطلوب الاصطفاف مع إيران أو ضدها، بل قراءة عقلانية للمشهد:
من الذي يشعل الحرائق؟
ومن المستفيد من استمرارها؟
ومن الذي يدفع الثمن؟
الحرب الأمريكية في الشرق الأوسط لا تُدار بشعارات أخلاقية كما تدّعي إدارة ترامب وأعوانها، بل بمنطق القوة والمصلحة، والسيطرة على مقدّرات الشعوب أولًا وأخيرًا.
أما إيران، فليست سوى فصلٍ في كتابٍ كبير، متعدد الفصول والصفحات…
وبين هذه الصفحات: ما خفي كان أعظم.

img_٢٠٢٦٠١١٥_١٧٤٣٣٧2109995451719478564 سيد الأسيوطي يكتبالحرب الأمريكية في الشرق الأوسط.. المُعلَن: إيران… وما خفي كان أعظم