يوسف حسن –
لا يمكن النظر إلى التحولات السياسية الأخيرة في الولايات المتحدة باعتبارها مجرد هزيمة انتخابية عابرة للحزب الجمهوري أو إخفاقاً مرحلياً لإدارة دونالد ترامب، بل إنها تعكس التداعيات الخطيرة لسياسة المواجهة التي انتهجتها الإدارة الأميركية، ولا سيما نهجها العدائي تجاه الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وهي سياسة بدأت ارتداداتها تصل إلى عمق المشهد السياسي الداخلي الأميركي.
فقد شكّل فوز الديمقراطيين واستحواذهم على الأغلبية في مجلسَي الكونغرس ضربة قاسية لحزب ترامب. إذ تمكن الديمقراطيون من حصد 51 مقعداً من أصل 100 في مجلس الشيوخ، و219 مقعداً في مجلس النواب، ما أدى إلى تغيير موازين القوى داخل المؤسسة التشريعية الأميركية، ووضع إدارة ترامب أمام تحديات سياسية كبيرة.
واللافت في هذه التطورات أن عدداً من المحللين والشخصيات الإعلامية الأميركية ربطوا بين هذه الهزيمة السياسية والسياسات التصعيدية التي انتهجتها إدارة ترامب تجاه إيران.
وفي هذا السياق، قال كاتب ومحلل سياسي أميركي إن «إيران وجهت إلى الولايات المتحدة ضربة لا يمكن حتى لقنبلة نووية بدائية ومُرتجلة أن تُلحق بها مثل هذه الخسائر».
كما اعتبر صحفي ومحلل سياسي أميركي أن «محاولة تغيير النظام في طهران أدت إلى تغيير النظام في واشنطن»، في إشارة إلى النتائج السياسية العكسية التي أفرزتها استراتيجية الضغط والمواجهة مع إيران.
وتعكس هذه التصريحات تنامي حالة المراجعة داخل الأوساط السياسية والإعلامية الأميركية بشأن كلفة المواجهة مع طهران. حتى ترامب نفسه أقرّ بأن الحرب مع إيران كانت أحد العوامل التي ساهمت في خسارة الجمهوريين خلال الانتخابات النصفية.
وفي محاولة للتنصل من المسؤولية، وجّه ترامب انتقاداته إلى شبكة «فوكس نيوز»، متهماً إياها بالمساهمة في هزيمة الجمهوريين بسبب استضافتها المتكررة لما وصفهم بـ«الديمقراطيين الحمقى».
وفي السياق ذاته، أعلن جوش تورك، السيناتور المنتخب عن ولاية آيوا، عزمه خوض معركة داخل مجلس الشيوخ من أجل إنهاء الحرب على إيران.
من جهته، وصف النائب الديمقراطي جيم ماكغفرن هذه التطورات بأنها تمثل بداية نهاية رئاسة ترامب الفاشلة، والحكومة التي وصفها بأنها الأكثر فساداً في تاريخ الولايات المتحدة.
كما حملت تصريحات السيد إل سيد، أول سيناتور مسلم، دلالات سياسية مهمة، إذ شدد على ضرورة إنفاق أموال الضرائب داخل الولايات المتحدة بدلاً من تبديدها في صراعات الشرق الأوسط، معتبراً أن «الأشرار خسروا اليوم».
وفي إشارة إلى استمرار التحولات السياسية داخل الولايات المتحدة، قال عمدة نيويورك إن التغييرات السياسية لم تبدأ فعلياً إلا الآن، مؤكداً أن البلاد لا تزال في بداية الطريق وأن المرحلة المقبلة تتطلب مزيداً من الجهود.
وعلى مستوى الرأي العام الأميركي، لفتت الانتباه أيضاً تصريحات أحد المستخدمين الأميركيين واسعَي الانتشار، الذي اعتبر أن ترامب بدأ يدرك أخيراً الأسباب التي دفعت سبعة رؤساء أميركيين سابقين إلى الامتناع عن مهاجمة إيران.
إن ما تكشفه هذه التطورات هو أن قوة الولايات المتحدة لا تُقاس حصراً بقدراتها العسكرية وترسانتها التسليحية، بل ترتبط أيضاً بمدى تماسكها الداخلي، ومستوى رضا شعبها، ومكانتها السياسية على الساحة الدولية.
فعندما تتحول السياسة الخارجية إلى عامل لتوسيع الانقسامات الداخلية، وتأجيج السخط الشعبي، وإضعاف الحزب الحاكم، تصبح كلفة هذه السياسة عبئاً على صانعي القرار أنفسهم.
ومن الواضح أن سياسة الضغط والتصعيد ضد إيران لم تمر من دون ثمن، وأن تداعياتها بدأت تنعكس على الحسابات السياسية والانتخابية في واشنطن. ورغم أنه لا يمكن إرجاع جميع نتائج الانتخابات إلى ملف إيران وحده، فإن اعتراف ترامب بتأثير الحرب على إيران في خسارة الجمهوريين يشكل مؤشراً مهماً على انتقال كلفة السياسة الخارجية إلى صلب المعادلات الانتخابية الأميركية.
ولعل الرسالة الأبرز التي ينبغي أن تصل إلى صناع القرار في واشنطن هي أن المشاريع المفروضة على الدول المستقلة لا تؤدي بالضرورة إلى إضعافها؛ بل قد ترتد نتائجها على أصحابها، وتتحول إلى عامل يهدد توازنات السلطة داخل عواصمهم، تماماً كما يحدث اليوم في الولايات المتحدة.









































