بقلم الإعلامي والمخرج التلفزيوني خالد سالم
نائب الامين العام للاتحاد الافريقي الاسيوي للاعلاميين
نخوض اليوم معركة وعي حقيقية، في ظل حرب إعلامية شرسة تستهدف عقول المصريين وتؤثر في وعيهم واتجاهاتهم. معركة لم تعد تحتمل التردد أو إهدار الطاقات، بل تحتاج إلى إعلام قوي ومؤثر، يمتلك المصداقية والخبرة والقدرة على الوصول إلى المواطن المصري بلغته، والتعبير عن همومه وتطلعاته.
وقد أكد فخامة الرئيس الزعيم عبد الفتاح السيسي مرارًا أهمية بناء إعلام قوي قادر على تشكيل الوعي ومواجهة التحديات. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل تتوافق بعض الممارسات داخل المؤسسات الإعلامية مع هذه الرؤية؟ ولماذا لا تزال هناك كفاءات وطنية تمتلك الخبرة والتاريخ والمصداقية، بعيدًا عن دائرة الاستفادة الحقيقية من إمكاناتها؟
إلى متى يستمر تهميش أصحاب الخبرات لحساب اختيارات محدودة ووجوه تكررت حتى فقدت قدرتها على جذب المشاهد وإقناعه؟ وإلى متى نترك أجيالًا من الإعلاميين الكبار، الذين أفنوا أعمارهم في خدمة المهنة، بعيدًا عن المشهد، رغم قدرتهم على تقديم الكثير؟
إن القضية ليست مجرد تغيير وجوه على الشاشات، بل هي مراجعة حقيقية لمعايير الاختيار، وإعادة الاعتبار للكفاءة والخبرة والقدرة على التأثير في الرأي العام.
ولن أتحدث هنا عن نفسي، رغم سنوات عملي الطويلة في تلفزيون بلدي، وتحديدًا القناة الأولى التلفزيون المصري و من مؤسسين الفضائية المصرية و النيل تي في وإخراج البرامج و المنوعات و الدراما مثل مسلسل اعترافات عنايات النجوم نجاح الموجي و سناء يونس ، ثم تجربتي المهنية في قنوات الامارات بالشارقة والأردن و تأسيس قناة عرب الفضائية و انتاج مسلسلات إماراتية درامية مثل درب الضياع و بينا و بينكم و فيلم الكابوس للنجم مرعي الحليان وعدت بعد رحلة غربة إلى وطني و التلفزيون المصري لاستخدام التكنولوجيا و لاول مرة في الانتخابات الرئاسية و جمع اراء و اماكن الانتخابات في كافة دول العالم و إذاعتها على شاشة التلفزيون المصري بدون اي تكلفة . وأتساءل: لماذا لا نستثمر خبرات إعلامية وطنية كبيرة، تمتلك رصيدًا مهنيًا وثقافيًا وفنيًا قادرًا على دعم الإعلام المصري في هذه المرحلة الدقيقة؟
ومن النماذج المشرفة الكاتب الصحفي والإعلامي القدير جمعه قابيل، الذي يمثل، في تقديري، نموذجًا للكفاءة الإعلامية متعددة المواهب، التي تستحق أن تحظى بفرصة حقيقية لتوظيف خبراتها في خدمة قضايا الوطن والوعي المجتمعي.
فهل يُعقل أن يمتلك الإعلام المصري كل هذه الخبرات، ثم يتركها خارج دائرة التأثير، في وقت نحتاج فيه إلى كل عقل مخلص، وكل قلم واعٍ، وكل صوت يمتلك القدرة على الإقناع؟
جمعة قابيل.. مسيرة مهنية تستحق الإنصاف
لم يصنع جمعة قابيل تجربته من وراء المكاتب المغلقة، وإنما استمد جانبًا مهمًا من نجاحه من الشارع المصري، ومن الاقتراب من الناس ومشكلاتهم الحقيقية. وقد تنقل بين عدد كبير من القنوات التلفزيونية والإذاعية، الحكومية والخاصة، وقدم نماذج متنوعة من البرامج التي استهدفت المواطن البسيط، وسعت إلى التعبير عن احتياجاته ومشكلاته.
ففي القنوات الإقليمية، قدم برنامج «باحث عن المتاعب» على القناة السادسة بطنطا، و«يوميات صحفي وفنان» و«يوميات مصري» على القناة الثالثة، إلى جانب برنامج «صحافة كليب» على القناة الفضائية الأولى، وغيرها من التجارب في القناة الأولى وإذاعات البرنامج العام والشباب والرياضة.
وفي الإعلام الخاص، قدم العديد من البرامج الخدمية التي اهتمت بقضايا المواطنين، من بينها «الناس للناس» على قناة الناس، إلى جانب تجاربه في قنوات المحور والبدر ومودرن والشباب والخليجية وأفراح والحدث والشمس وغيرها.
وتكشف هذه المسيرة عن خبرة عملية في التعامل مع أنماط مختلفة من الجمهور، وفهم طبيعة الإعلام الجماهيري، والقدرة على تقديم محتوى يقترب من المواطن بدلًا من الاكتفاء بخطاب بعيد عن واقعه اليومي.
فالإعلام الناجح ليس ما يُقال داخل الاستوديوهات المكيفة، بل ما يصل إلى الناس، ويفهمونه، ويثقون في صاحبه، ويشعرون بأنه يعبر عنهم.
ولم تتوقف تجربة جمعة قابيل عند العمل التلفزيوني والإذاعي، بل امتدت إلى الصحافة، حيث تدرج مهنيًا حتى شغل منصب نائب رئيس تحرير مجلة الإذاعة والتلفزيون، كما تولى، وفقًا لمسيرته المهنية، رئاسة تحرير جريدة «السياسة الدولية» الأمريكية ومجلة «الأسواق العربية» المتخصصة لسنوات، وسبق له العمل مديرًا لمكتب جريدة «الجزيرة» السعودية.
كما ارتبط اسمه بالعمل الصحفي الإلكتروني، من خلال رئاسة تحرير موقع «الجمهورية الجديدة»، وموقعي «الوعي» و«الأحرار».
وفي مجال الدراما والفن، امتدت إسهاماته إلى الكتابة والتمثيل في أعمال من بينها «بس مباشر» و«نسمة ونصيب» و«نعيم في نعيم» و«أنا والمدام»، في تجربة تعكس تنوع أدواته المهنية وقدرته على توظيف أكثر من قالب إعلامي وفني في الوصول إلى الجمهور.
إننا أمام تجربة تستحق التقييم الموضوعي، لا على أساس المجاملة أو العلاقات، وإنما وفقًا لما قدمته من أعمال وخبرات، وما يمكن أن تضيفه إلى الإعلام المصري إذا أُتيحت لها الفرصة المناسبة.
هل أصبح على أصحاب الخبرة أن يستجدوا فرصة لخدمة وطنهم؟
هنا أصل إلى السؤال الأكثر إلحاحًا: ما الذي ينتظره بعض صنّاع القرار الإعلامي حتى يلتفتوا إلى هذه الكفاءات؟
هل أصبح على الإعلامي صاحب التاريخ المهني أن يظهر عبر مواقع التواصل الاجتماعي، معلنًا أنه يجلس في منزله ويرغب في خدمة بلده، حتى يتذكره المسؤولون؟
وهل وصلنا إلى مرحلة يضطر فيها أصحاب الخبرات إلى المطالبة بفرصة لمجرد أنهم يريدون مواصلة العطاء، بعد سنوات طويلة قضوها في خدمة الإعلام المصري؟
إنني لا أطالب بمنح المناصب على أساس الأقدمية وحدها، ولا أرى أن التاريخ المهني يعفي صاحبه من التقييم والمحاسبة. لكنني أطالب بمعيار عادل يفتح الباب أمام الكفاءات، ويتيح لها المنافسة، ويمنح أصحاب التجارب الحقيقية فرصة لإثبات قدرتهم على التطوير والتأثير.
فليس من المنطقي أن نتحدث عن تجديد الخطاب الإعلامي، ثم نستبعد أصحاب الخبرات القادرين على المشاركة في هذا التجديد، أو أن نبحث عن حلول لأزمة المصداقية دون الاستفادة ممن راكموا خبرة طويلة في التعامل مع الجمهور.
معركة الوعي لا تُحسم بتكرار الوجوه
إن أخطر ما يمكن أن نواجهه في هذه المرحلة هو الخلط بين الظهور الإعلامي والتأثير الحقيقي، وبين ارتفاع الصوت والقدرة على الإقناع، وبين تكرار الرسائل ونجاحها في الوصول إلى عقول الناس.
فالمواطن المصري أصبح أكثر قدرة على التمييز، وأكثر احتياجًا إلى إعلام يحترم عقله، ويقدم له المعلومة بوضوح، ويناقش مشكلاته بجدية، ويمنحه مساحة للشعور بأن صوته مسموع.
ولهذا، فإن استمرار الاعتماد على اختيارات لا تحقق التأثير المطلوب، مع إهمال الكفاءات التي يمكنها تقديم بدائل مهنية جادة، يمثل خسارة ينبغي مراجعتها.
ولا يجوز أن تتحول المؤسسات الإعلامية إلى دوائر مغلقة، تكرر الاختيارات نفسها، بينما تتراجع الثقة ويظل أصحاب التجارب والخبرات بعيدين عن مواقع التأثير.
معركة الوعي تحتاج إلى المهنية قبل الشعارات، والمصداقية قبل الضجيج، والكفاءة قبل العلاقات الشخصية.
كما تحتاج إلى إعلاميين يفهمون طبيعة المجتمع المصري، ويعرفون كيف يخاطبون مختلف فئاته، ويملكون أدوات الحوار والإقناع، ويستطيعون تقديم خطاب وطني مسؤول لا ينفصل عن مشكلات المواطنين الحقيقية.
رسالتي إلى صنّاع القرار
رسالتي واضحة: إذا كنا جادين في بناء إعلام مصري قوي، قادر على مواجهة التحديات وحماية الوعي الوطني، فعلينا أن نعيد النظر في آليات اختيار القيادات والمذيعين ومقدمي البرامج، وأن نضع الخبرة والمهنية والمصداقية والقدرة على التأثير في مقدمة معايير الاختيار.
وعلينا أن نفتح الأبواب أمام الكفاءات الوطنية، وأن نستفيد من خبرات كبار الإعلاميين قبل أن تتحول سنوات عطائهم إلى مجرد ذكريات في سجلات المؤسسات.
، إلى جانب الكثيرين من أصحاب الكفاءات الذين لا ينبغي أن يظلوا خارج دائرة الاهتمام.
إن الاستفادة من هؤلاء ليست منحة شخصية، ولا مجاملة لأحد، بل استثمار في خبرة وطنية يمكن أن تحقق عائدًا مهنيًا ومجتمعيًا إذا أُحسن توظيفها.
وأقولها بوضوح: لسنا في حاجة إلى مزيد من الشكوى من ضعف الإعلام بقدر حاجتنا إلى قرارات عملية تعيد الاعتبار للكفاءة، وتمنح أصحاب الخبرة فرصة حقيقية للعمل والإبداع، وتفتح المجال أمام دماء جديدة تتكامل مع خبرات الأجيال السابقة.
فالوطن لا يحتاج إلى أبنائه في مرحلة واحدة من حياتهم المهنية، بل يحتاج إلى علمهم وخبراتهم وتجاربهم كلما كانت لديهم القدرة على العطاء.
يا صنّاع القرار.. لا تتركوا الكفاءات الوطنية على مقاعد الانتظار، ثم تتساءلوا عن أسباب تراجع التأثير الإعلامي.
استفيدوا من أصحاب الخبرة، وافتحوا المجال أمام المنافسة العادلة، وامنحوا المصداقية والكفاءة مكانتهما المستحقة.
فمعركة الوعي لا تنتظر، والوقت الذي نهدره في تجاهل الخبرات قد يكون أغلى من أن نعوضه لاحقًا.
بقلم: الإعلامي والمخرج التلفزيوني خالد سالم
نائب الامين العام للاتحاد الافريقي الاسيوي للاعلاميين









































