كتب \ محمد فهمي
رغبة النفس في استدعاء نسخة منها من الماضي رغبة مُلحة على الكثير من الناس ، مع اختلاف المراحل العمرية ، وقد رأينا ذلك من خلال التريند الذي يقوم فيه المرء باستخدام ادوات الذكاء الاصطناعي وتحويل صورتك مع إضافة بعض التعديلات والتفاصيل فتصبح الصورة نسبياً وكأنها من الثمانينيات فلماذا هذا التهافت على الماضي؟!
في أعماق كل إنسان نسخة قديمة منه. نسخة كانت أكثر خفة وصدقاً وبساطة. نسخة ضحكت ضحكة خالصة لا يشوبها تكلف، وأحبت بقلب لا يعرف الحساب، وحلمت بعين لا ترى المستحيل ولكن ، مع مرور الأيام نكبر، ونتعلم، ونتألم، ونرتدي دروعاً تحمينا. ثم نصل إلى لحظة غريبة، لا نحِنُّ فيها إلى شخص ولا إلى مكان، بل إلى “ذاتنا” التي كانت. نشتاق إلى استدعائها، إلى أن تعود كما كانت.
في الماضي كنا نرى العالم أبيض وأسود. الخير خيرٌ بيّن، والشر شرٌ واضح. لم يكن هناك هذا الرمادي الكثيف الذي نعيش فيه اليوم. لم نكن نحسب لكل كلمة حساباً، ولا نخشى من “ماذا سيقول الناس”. كنا نقول ما في قلوبنا ثم ننام قريري العين. وعندما نكبر ندرك أن تلك البراءة كانت نعمة، وأن ثمن فقدانها هو القلق الدائم.
كانت نسختنا القديمة تمتلك طاقة التجريب. كانت تسقط فتضحك، وتخطئ فتتعلم، وتحلم فتسعى. لم تكن أثقال المسؤوليات ولا الفواتير ولا الخوف من الغد تثقل كاهلها. كان هناك متسع من الوقت، ومتسع من الفضول. أما اليوم فقد أصبحت أرواحنا مثقلة، وخطواتنا محسوبة.
أحياناً نحِنُّ إلى أنفسنا قبل أن نُكسر في علاقة، أو قبل أن نخسر عزيزاً، أو قبل أن نتخذ قراراً ندمُنا عليه. يهمس العقل الباطن: “لو عدنا إلى تلك النسخة، لعلنا نُصلح ما فسد، ولعلنا نختار اختياراً أفضل.
دائماً ما تشغلنا ذكرياتنا وأيامنا الماضية وتخلق حنيناً لا يمكن أن تصفه كلمات سواء على المستوى الشخصي أو العائلي أو المجتمعي، تفاصيل ولمسات لا يمكن محوها من الذاكرة المتشبثة بها حتى النهاية.
تغير العالم، وتغيرنا نحن، وتغيرت من حولنا الوجوه. ولو عُدنا بعقلية الأمس إلى واقع اليوم لضللنا الطريق.
إن رغبة النفس في استدعاء نسخة منها من الماضي هي في جوهرها رغبة في استعادة جزء أصيل ضاع في زحام الحياة. جزء نقي، صادق، وشجاع.فبدلاً من البحث عنه في الصور القديمة، ابحث عنه في أفعالك غداً. اجعل نسخة اليوم تتعلم من نسخة الأمس، ولكن لتعيش في اليوم.انتهى الماضي ليمنحك الدروس، وحضر الحاضر لتطبيقها، إذا سمحت لكل النسخ السابقة أن تعيش فيك دون أن تسجنك..أنت تحتاج إلى أن تمضي قدماً… ولكن وأنت تحمل معك أجمل ما كنت عليه









































