
كتب: محمد فهمي
عنوان مقالتنا هو مقولة لأرسطو يقول من خلالها: “إن الإنسان بطبيعته وفطرته كائن اجتماعي”. لماذا؟ لأن التفاعل مع الآخرين هو حجر الأساس في بناء العلاقات، وتحقيق النجاح. والسؤال هنا: من الممكن أن يتحول هذا التفاعل الاجتماعي إلى مصدر خوف ورعب كالشبح الخفي الذي يطارد صاحبه؟!
سنتناول في مقالتنا هذه تعريف تلك الظاهرة، والأعراض التي تظهر على أصحابها، والأسباب والعوامل المؤدية لها، والآثار المترتبة عليها.دعوني أولاً أشرح مصطلح “الرهاب الاجتماعي” قبل أن نتعمق في مقالتنا. الرهاب الاجتماعي يُعرف علمياً بـ “اضطراب القلق الاجتماعي”، وهو أمر لا يتوقف على كونه مجرد خجل أو توتر لحظي قبل التلفظ بكلمة ما، أو فعل صنيع ما، كما يفهم أغلبنا. بل الصادم للجميع أنه اضطراب نفسي حقيقي يجعل الفرد يعيش في خوف مستمر من التعرض للحكم السلبي، أو الإحراج، أو الرفض من الآخرين. وقد وصفته منظمة الصحة العالمية بأنه أحد أكثر اضطرابات القلق شيوعاً، ويصيب ما يقارب 7% إلى 13% من الأفراد خلال حياتهم.تعريف آخر، حسب الأبحاث والدراسات: “هو خوف ملحوظ ومستمر من موقف اجتماعي واحد أو أكثر يتعرض فيه الشخص لاحتمال التدقيق من قبل الآخرين”. وهذا الرهاب الاجتماعي إما محدد، أي يتعلق بشيء ما محدد واحد، أو رهاب اجتماعي معمم، وهو الخوف من معظم الأمور أو المواقف الاجتماعية بشكل عام.أعراض جسدية، وهي: احمرار الوجه، التعرق الشديد، ارتعاش اليدين، تسارع ضربات القلب، جفاف الفم، الغثيان.
هذه الأعراض هي استجابة حقيقية لا إرادية من الجهاز العصبي لحالة “الكر والفر” التي يطلقها الدماغ عند الشعور بالخطر.أعراض معرفية: أفكار سلبية متكررة مثل: “سأبدو غبياً”، “الجميع يراقبني”، “سأقول شيئاً خاطئاً”. يسميها علماء النفس المعرفي “التشوهات المعرفية”، وهي التي تغذي الخوف.أعراض سلوكية: تجنب المواقف الاجتماعية، الصمت في الاجتماعات، عدم التواصل البصري، مغادرة المناسبات مبكراً. والتجنب هنا هو المشكلة الأكبر، لأنه يعطي الدماغ رسالة خاطئة مفادها: “لقد نجوت لأنني هربت”، فيزداد الخوف في المرة القادمة.الأسباب والعوامل المؤدية له:
لا يوجد سبب واحد للرهاب الاجتماعي، بل هو نتاج تفاعل عدة عوامل، كما ذكرت الأبحاث والدراسات الآتي:العوامل البيولوجية: أثبتت دراسات التصوير الدماغي أن الأشخاص المصابين بالرهاب الاجتماعي لديهم نشاط زائد في اللوزة الدماغية Amygdala، وهي مركز الخوف في الدماغ. كما أن هناك دوراً للوراثة، فاحتمال الإصابة يزداد إذا كان أحد الوالدين مصاباً باضطراب قلق.العوامل النفسية: يلعب أسلوب التربية دوراً كبيراً. فالأطفال الذين تعرضوا للنقد المفرط، أو السخرية، أو الحماية الزائدة، يكونون أكثر عرضة. كما أن التعرض لتجربة محرجة في الطفولة، مثل التعثر أثناء الإلقاء في المدرسة، قد تكون الشرارة الأولى.العوامل الاجتماعية والثقافية: في المجتمعات التي تعطي أهمية مبالغاً فيها “لصورة الشخص أمام الناس” يزداد القلق. ومع ظهور وسائل التواصل الاجتماعي زاد الضغط، فأصبحت المقارنة المستمرة سبباً في تعميق الشعور بالنقص. يقول عالم النفس ألبرت باندورا: “الناس لا يخافون من المواقف، بل يخافون من فشلهم المتصور في تلك المواقف”. وهذه الجملة تلخص جوهر الرهاب الاجتماعي.نأتي للنقطة الأخيرة، وهي:
الآثار المترتبة على الرهاب الاجتماعي، وهي:إذا تُرك الرهاب الاجتماعي دون علاج، فإنه لا يبقى حبيس الخوف فقط، بل يمتد ليدمر جوانب حياة الشخص:فعلى المستوى المهني: يرفض المصاب، مثلاً، الترقيات التي تتطلب قيادة فريق، ويتجنب مقابلات العمل، مما يعيق تطوره الوظيفي.
على المستوى الأكاديمي: يخشى المشاركة في الفصل إن كان طالباً، أو تقديم العروض، مما يؤثر على تحصيله.
على المستوى الشخصي: يؤدي إلى العزلة، وتأخر سن الزواج، وصعوبة تكوين صداقات.تذكر دائماً أن الرهاب الاجتماعي ليس ضعف شخصية، ولكنه اضطراب دماغي ونفسي يمكن علاجه، والخطوة المبدئية للعلاج هي الاعتراف به، والعمل على معالجته.








































