
بقلم : محمد جمال الدين
إن التاريخ الثقافي والمؤسسي يعلمنا أن المعارك الكبرى لا تُخاض ضد الأعداء الخارجيين فحسب، بل إن أشرسها هي تلك التي تنفجر من الداخل حين يصطدم قطار الإصلاح بجدار المصالح المتكلسة، إذ إن الصراع بين منطق “المؤسسة” ومنطق “الشخصنة”، هو قدر كل حراك إصلاحي يسعى للنهوض بالصروح المؤسسية العريقة.
وفي قلب هذا الصراع، تبرز أكاديمية الفنون اليوم كحالة فلسفية بإمتياز، حيث لا تُواجه الدكتورة نبيلة حسن، رئيس الأكاديمية، مجرد عقبات إدارية، بل تُواجه “ظاهرة سوسيولوجية”، تجسد الصراع الأبدي بين “دولة القانون” التي تسعى للنهوض، وبين تلك الفئة التي تقتات على الفوضى من أصحاب المصالح الشخصية، فنحن أمام مشهد سريالي، يُراد فيه للمُصلح أن يحمل أوزار لا يعرف عنها شئ، في وقت تتعالى صرخات من بحثوا عن “مكان” أو “مكانة” ولم يجدوها، لا خوفاً على الفن، بل ذعراً على إمتيازات يطالبون بها دون وجه حق بعد أن تهاوت تحت مقصلة الشفافية.
يعمد المهاجمين على رئيس أكاديمية الفنون إلى “مغالطة المنشأ”، عبر تحميل الدكتورة نبيلة حسن مسؤولية ملفات شائكة هي في حقيقتها “ألغام موقوتة” ورثتها عن عهود خلت، وهنا يبرز التساؤل الجوهري، على سبيل المثال لا الحصر، قضية مثل قضية عجز الكوادر وهجرة العقول، ومعاناة المعاهد من أعضاء هيئة التدريس، هل الدكتورة نبيلة هي من أوجدت ذلك، أم أنها تحاول حل الأمر حتى تستقيم العملية التعليمية، وحالة الشلل التي أصابت معهد الطفل، والذي وصل به الحال لساحات القضاء، بعدما وجد الباحثين أنه لا جدوى ولا سبيل أمامهم لإنهاء ومناقشة رسائلهم إلا ساحات القضاء، هل الدكتورة نبيلة هي السبب في ذلك، بالطبع لم تكن قد تولت الأمر، إلا أن الطامعون والباحثون عن مكاسب شخصية صدروا الأمر وكأن كل ذلك نتاج “اللحظة الراهنة”، في عملية تضليل ممنهج للرأي العام، وهناك الكثير والكثير من المشاكل التي ورثتها رئيس الأكاديمية، وتعمل على حلها بما يتفق مع صحيح القانون.
ويثور الآن في ذهني تساؤل فلسفي: لصالح من تُثار هذه العواصف الآن؟، والدكتورة نبيلة لم يتجاوز عمر توليها المنصب شهرين اثنين، بقرار من دولة رئيس الوزراء وبناءً على لجنة علمية وقانونية مشهود لها، والجواب يكمن في “قوة التغيير”، فحين وُضعت قواعد صارمة للعمل، وحين أعلنت أن “المصلحة العامة” هي البوصلة الوحيدة، تحرك أولئك الذين أزعجهم إنقشاع الغطاء، بل والأكثر من هذا إن وضعها الشخص المناسب في المكان المناسب، وتوجيه الشكر لمن لا يملك الكفاءة، هو “جُرم” في عُرف من يبحث عن مكانة لا يستحقها، أو زالت عنه مكانة لم يكن يرتقي لها، لذا فهولاء لا يهاجمون “شخصاً”، بل يهاجمون “القاعدة القانونية” التي أرستها، والتي منعتهم من الوصول لمآربهم الشخصية.
وبينما ينشغل البعض بتهويل “صغائر المشكلات”، التي لا تخلو منها أي بيئة عمل، تتحدث لغة الواقع عن طفرة حقيقية تمت في زمن قياسي، منها على سبيل المثال لا الحصر الإنضباط الأكاديمي، وإنتظام العملية التعليمية وإعادة الهيبة للقاعة الدراسية، مع الإنفتاح الدولي، من خلال عقد بروتوكولات تعاون مع مؤسسات علمية عالمية، لتعود الأكاديمية “منارة” عابرة للحدود، بالإضافة إلى إحياء الأصول، من خلال عودة “دار الضيافة” للعمل، وتفعيل وحدة المؤتمرات التي أصبحت شعلة نشاط ثقافي وفكري، مع عدم إغفال الحضور الطاغي للأكاديمية في إحتفالات الدولة، مما يعكس الدور الريادي للمؤسسة في عهد الجمهورية الجديدة، وهو ما اتضح بجلاء من خلال المشاركة القوية للأكاديمية في إحتفالية أعياد الإسكندرية على سبيل المثال لا الحصر.
إن أكاديمية الفنون أكبر من أن ينال منها هجوم يبحث أصحابه عن مكاسب شخصية، وإن ما تقوم به الدكتورة نبيلة حسن هو “معركة وعي” لإستعادة روح الأكاديمية، وهو ما يتماشى مع الدولة المصرية في ظل “الجمهورية الجديدة”، التي لا تبني الحجر فقط، بل تبني الإنسان وتؤمن بأن الفن هو رأس الحربة في معركة التنوير، لذا فإن كل محاولات التشويه ستحترق أمام شمس الحقيقة، وسيبقى الأثر الإصلاحي شاهداً، بينما تذهب زبد تلك الفئة جفاءً، فالحق قد يضعف حيناً، لكنه لا يموت، وإن الباطل مهما انتفش، فإنه زاهق أمام إرادة التغيير، وستظل أكاديمية الفنون منارة شامخة بأساتذتها وطلابها الشرفاء، وستستمر مسيرة التطوير مدعومة بقوة القانون وثقة الدولة، وسيسقط القناع عمن لم يجد لنفسه مكاناً إلا في خنادق التحريض.








































