بقلم المستشار الدكتور / الحبيب النوبي
دبلوماسي ـ أكاديمي – مستشار في الديوان الملكي السعودي وأستاذ زائر في كلية الشؤون الدولية والسياسات العامة بجامعة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن
تعيش منطقة الخليج العربي واحدة من أكثر لحظاتها الجيوسياسية حساسية منذ نهاية الحرب الباردة. فالتصعيد العسكري المتبادل بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، يفتح مرحلة إقليمية تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع رهانات الطاقة العالمية، وتنافس القوى الكبرى على الممرات البحرية التي تقوم عليها بنية التجارة الدولية.
ويمنح هذا التشابك للصراع الجاري في الخليج بعدا يتجاوز حدود الشرق الأوسط ليصبح جزءا من معادلة أوسع تتعلق بتوازنات النظام الدولي.
منذ عقود، تحتل دول الخليج موقعا مركزيا في منظومة الأمن العالمي. فهذه المنطقة المحدودة جغرافيا تختزن واحدا من أكبر احتياطيات الطاقة في العالم، كما تشكل معبرا رئيسيا لتدفق النفط والغاز نحو الاقتصادات الصناعية الكبرى. ولهذا ارتبط استقرار الخليج تاريخيا باستقرار الاقتصاد العالمي، حيث تحولت هذه المنطقة إلى نقطة ارتكاز في العلاقة بين الجغرافيا السياسية والطاقة والأسواق الدولية.
وبسبب التحول الذي طرأ على طبيعة الصراعات الإقليمية، اكتسبت التطورات الراهنة أهمية خاصة وحساسية ملفتة، فقد انتقلت المواجهة بين إيران والولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة من مستوى الضغوط غير المباشرة والحروب بالوكالة إلى مستويات أعلى من الاحتكاك العسكري.
وهذا التحول يعكس تغيرا تدريجيا في معادلة الردع التي حكمت المنطقة لعقود، حيث تسعى القوى المتنافسة إلى فرض ترتيبات أمنية جديدة تعيد تشكيل ميزان القوى في الشرق الأوسط.
وقد ظهرت ملامح هذه المرحلة في سلسلة من الضربات العسكرية التي استهدفت مواقع إستراتيجية وبنى تحتية حساسة، وتندرج هذه العمليات ضمن سياق أوسع يسعى فيه كل طرف إلى تثبيت موقعه في معادلة الردع الإقليمية.
فالولايات المتحدة وحلفاؤها يعملون على تقليص القدرات العسكرية الإيرانية والحد من امتداد نفوذها الإقليمي، بينما تنظر طهران إلى هذه الضغوط باعتبارها جزءا من صراع إستراتيجي حول موقعها في النظام الإقليمي للشرق الأوسط.
وتتضاعف حساسية هذا الصراع بسبب طبيعته الجغرافية، فمسرح التوتر لا يقتصر على الأراضي الإيرانية أو القواعد العسكرية المنتشرة في المنطقة، بل يمتد إلى الفضاء البحري للخليج بكامله، حيث تقع منشآت الطاقة والموانئ الإستراتيجية والممرات البحرية التي تشكل أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي.
وفي هذا السياق يتحول الخليج من مجرد خلفية جغرافية للصراع إلى أحد ميادينه الأساسية، حيث تتداخل العمليات العسكرية مع أدوات الضغط الاقتصادي والحسابات الجيوسياسية الدولية.
إن إحدى السمات الأكثر دلالة في المرحلة الراهنة، تتجلى في عودة البحر إلى مركز المعادلة الإستراتيجية. فالممرات البحرية في الخليج، وعلى رأسها مضيق هرمز، تمثل واحدة من أهم نقاط الاختناق الجيو-اقتصادية في العالم، إذ تمر عبرها نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز التي تغذي الاقتصادات الصناعية الكبرى.
ويمنح هذا الموقع للممرات البحرية في الخليج قيمة إستراتيجية تجعل السيطرة عليها أو التأثير في أمنها عاملا حاسما في أي معادلة صراع إقليمي. إذ تمثل هذه الممرات أهمية تتجاوز حدود الطاقة وحدها، فالملاحة في الخليج تشكل عقدة مركزية في شبكة النقل البحري التي تربط بين شرق آسيا، وأوروبا، والبحر المتوسط.
ومن خلال هذه الشبكة تمر كميات هائلة من السلع والمواد الخام التي تقوم عليها حركة الاقتصاد العالمي المعاصر. ولهذا السبب تتحول أي توترات أمنية في هذه المنطقة إلى عنصر ضغط مباشر على النظام التجاري الدولي.
وقد شهدت السنوات الأخيرة سلسلة من الحوادث البحرية التي استهدفت سفنا تجارية وناقلات نفط في مياه الخليج وبحر العرب، في سياق يعكس تزايد التنافس على الحضور البحري في المنطقة.
كما تعكس هذه التطورات تحول الفضاء البحري إلى ساحة ضغط إستراتيجية، حيث تكتسب القدرة على التأثير في أمن الملاحة قيمة تعادل في تأثيرها كثيرا من أدوات القوة العسكرية التقليدية.
كما تستحضر هذه المشاهد تجربة تاريخية عرفتها المنطقة خلال الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي، حين تحولت مياه الخليج إلى مسرح مواجهة مفتوحة عرفت آنذاك بـ(حرب الناقلات).
غير أن السياق الحالي يحمل أبعادا أوسع بكثير، إذ يتقاطع الصراع الإقليمي مع شبكة من التنافس الدولي بين القوى الكبرى، حيث تتابع الولايات المتحدة، والصين، وروسيا تطورات الخليج بوصفه واحدا من أهم المراكز الجيو-اقتصادية في العالم.
هذه المعطيات تكشف عن بعد اقتصادي عميق للصراع الجاري، فالتوترات الأمنية في الخليج تنعكس بصورة مباشرة على أسواق الطاقة العالمية، بحيث يؤدي أي ارتفاع في مستوى المخاطر الأمنية إلى تقلبات حادة في أسعار النفط والغاز، وهو ما ينعكس بدوره على معدلات التضخم والنمو في الاقتصادات الصناعية الكبرى، كما يمتد تأثير هذه التوترات إلى قطاع النقل البحري العالمي.
فارتفاع مستوى المخاطر في الممرات البحرية يؤدي إلى زيادة تكاليف التأمين على السفن التجارية، كما يرفع كلفة الشحن الدولي ويؤثر في حركة سلاسل الإمداد التي تربط بين مراكز الإنتاج في آسيا والأسواق الاستهلاكية في أوروبا وأمريكا الشمالية. ومن خلال هذه الآليات يتحول التوتر الإقليمي في الخليج إلى عامل قادر على إعادة تشكيل جزء من اقتصاد النقل البحري العالمي.
لذا فإن العواصم الاقتصادية الكبرى تتابع هذه التطورات بدرجة عالية من القلق الإستراتيجي، نظرا إلى أن استقرار الخليج يشكل ركنا أساسيا في استقرار النظام الاقتصادي الدولي.
فالممرات البحرية في هذه المنطقة تؤدي دورا محوريا في الحفاظ على انسيابية حركة الطاقة والبضائع بين القارات، الأمر الذي يمنح أي اضطراب أمني فيها تأثيرا يتجاوز نطاق الشرق الأوسط ليطال بنية الاقتصاد العالمي بأكملها.
ومن هذا المنظور، يتخذ الصراع الدائر





