
مذبحة كرموز… ولكن من المتهم الحقيقي؟!
سيادة القاضي الجليل…
نحن اليوم لا نقف أمام مجرمٍ عادي،
ولا أمام قاتلٍ تجرد من إنسانيته،
بل نقف أمام طفلٍ انهار تحت وطأة الحياة…
طفلٍ حاصرته الظروف حتى سلبت منه إرادته.
هذا الطفل لم يولد قاتلًا…
بل وُلد في بيتٍ هجره الأب،
وأمٍ أنهكها المرض واليأس،
وفقرٍ كسر كل أبواب النجاة في وجهه.
تخيلوا معي هذا الطفل…
يقف عاجزًا… يرى إخوته يسقطون واحدًا تلو الآخر…
لا يملك أن ينقذهم… ولا يملك أن يهرب…
بين طاعة أمٍ مريضة… وخوفٍ ينهش قلبه… وانهيارٍ نفسي لا يحتمله بشر.
أيُ قلبٍ هذا الذي يتحمل أن يرى إخوته يُقتلون أمام عينيه؟!
وأيُ عقلٍ يظل متماسكًا بعد أن تُزهق الأرواح داخل نفس البيت؟!
ثم… لا ينتهي المشهد…
بل يجلس هذا الطفل…
يومين كاملين وسط الجثث…
وسط الدم…
وسط الصمت المرعب…
وسط رائحة الموت التي لا تُحتمل…
ينام على صدمة… ويستيقظ على كابوسٍ هو الحقيقة…
لا أم… لا إخوة… لا حياة…
أي عذابٍ هذا الذي عاشه؟!
وأي إنسان يمكن أن يخرج من هذا المشهد سليمًا؟!
ثم تأتي اللحظة الأخيرة…
حين قرر أن يُنهي كل شيء…
أن يهرب من هذا الجحيم…
لكنه حتى في ذلك… فشل…
فكأن القدر كتب عليه أن يعيش…
ولكن ليحمل الألم كله وحده.
قال الله تعالى:
“لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا”
فبأي وسعٍ نحاسبه؟!
وبأي ميزانٍ نزن فعلًا ارتُكب تحت ضغطٍ نفسي وإنساني لا يتحمله أشد الرجال؟!
سيدي القاضي…
هذا الطفل لم يكن صاحب قرار،
بل كان أسير خوف… وأسير أمٍ مريضة… وأسير واقعٍ مظلم.
كان يُنفذ… لا يُفكر،
ينقاد… لا يختار.
هو ضحية قبل أن يكون متهمًا…
ضحية إهمال أب،
وضحية مرض أم،
وضحية مجتمعٍ لم يسمع صراخه إلا بعد أن تحول إلى مأساة.
وكما قال الشاعر:
“ومن لم يُذَدْ عن حوضِهِ بسلاحِهِ
يُهَدَّمْ… ومن لا يَظلمِ الناسَ يُظلَمِ”
وهذا الطفل لم يكن له سلاح…
فسُحق… وضاع.
سيدي القاضي…
إن العدالة ليست في توقيع العقاب فقط،
بل في فهم الحقيقة كاملة…
وحيث إن الجريمة في القانون المصري لا تقوم إلا بتوافر الركن المادي والركن المعنوي معًا،
فإننا نتمسك بدفعٍ جوهري:
أولًا: انتفاء الركن المادي للجريمة
إذ يشترط لقيامه صدور فعل بإرادة حرة واعية،
بينما الثابت أن هذا الطفل كان واقعًا تحت سيطرة نفسية قاهرة وضغط إنساني ساحق يفقده القدرة على الاختيار.
ثانيًا: انتفاء الركن المعنوي (القصد الجنائي)
فالقصد الجنائي يقتضي العلم والإرادة…
فأين الإرادة لطفلٍ منهار؟!
وأين القصد لمن فقد السيطرة على نفسه تحت هذا الرعب؟!
بل إن حالته تندرج تحت انعدام الإدراك أو الاختيار…
وقد نصت المادة (62) من قانون العقوبات المصري على:
“لا يُسأل جنائيًا من كان وقت ارتكاب الجريمة فاقد الشعور أو الاختيار…”
كما استقر الفقه والقضاء على أن الإكراه المعنوي الجسيم
ينفي المسؤولية الجنائية.
سيدي القاضي…
هذا الطفل قد عوقب بالفعل…
عوقب بالفقر…
وعوقب بالحرمان…
وعوقب بمشهدٍ سيطارده ما حيِي…
فلا تحكموا عليه مرتين…
مرةً بظروفٍ قاسية لم يخترها…
ومرةً بحكمٍ لا يرى فيه إلا الفعل… ويتجاهل الإنسان.
نلتمس من عدالتكم…
أن تنظروا إليه بعين الرحمة والعدل معًا…
وأن تقضوا ببراءته…
لا شفقةً… بل تطبيقًا صحيحًا للقانون.
فهذا الطفل…
ليس متهمًا…
بل ناجٍ من كارثة… يستحق الإنقاذ لا العقاب.
والله ولي التوفيق.







































