سيد الأسيوطي.. يكتب “المليونير ابن البلد… لماذا تحتاج مصر إلى أثرياء يشبهون سيد جلال و محمود العربي؟”

سيد الأسيوطي.. يكتب “المليونير ابن البلد… لماذا تحتاج مصر إلى أثرياء يشبهون سيد جلال و محمود العربي؟”

في زمنٍ اختلطت فيه مفاهيم الثراء بالاستعراض، وتحول المال عند البعض من أداة بناء إلى وسيلة نفوذ واستعلاء، تظل مصر محتفظة بنموذج نادر وثمين اسمه: «المليونير ابن البلد»؛ ذلك الذي خرج من قلب المعاناة، لا ليأخذ بثأره من المجتمع، بل ليرد إليه الجميل.
وعندما نبحث في تاريخ مصر الحديث، ندرك أن هذا النموذج لم يكن عابرآ ولا استثناءً، بل مدرسة متكاملة جسدها رجال من طراز فريد، في مقدمتهم النائب العظيم سيد جلال، ورائد الصناعة والتجارة الحاج محمود العربي، وغيرهما كثيرون، لكنهما يظلان الأبرز والأكثر حضورآ في الوجدان الشعبي.
لم يولد سيد جلال، ابن قرية بني عدي إحدى قرى محافظة أسيوط في صعيد مصر، وفي فمه ملعقة من ذهب؛ بل وُلد يتيمآ، نام على الأرصفة، وعمل شيالآ وساعيآ، وتعلم من الحياة قبل أن يتعلم من الكتب. لكنه امتلك ما هو أثمن من المال:..
الكرامة والاجتهاد، والذكاء، وعزة النفس، والإحساس بالناس.
وحين أصبح مليونيرآ ونائبآ برلمانيآ، لم ير في المنصب حصانة، بل مسؤولية وطنية وأخلاقية. لم يشتري الأصوات، بل جمع “خمسة قروش” من البسطاء ليبني مستشفى لعلاج الغلابة بالمجان مستشفى ” سيد جلال” الشهيرة في منطقة باب الشعرية داخل قلب العاصمة.
وحين عجزت الدولة عن إلغاء رخصة البغاء ، استخدم عقله وجرأته ليصنع موقفآ ذكيآ مع أحد الوزراء انتهى بقرار أخلاقي غير وجه المجتمع المصري. كان سيد جلال سياسياً كبيراً و ثريآ أيضا… لكنه قبل ذلك كان رجل دولة من طراز شعبي نبيل.
وعلى الجانب الآخر، يطل علينا الحاج محمود العربي، ابن قرية أبو رقبة بالمنوفية، الذي بدأ حياته صبيآ بسيطآ لا يملك سوى العمل الجاد، وصدق الكلمة، واحترام الناس. لم يجمع ثروته بالاحتكار ولا بالتقرب من السلطة، بل ببناء سمعة قبل أن يبني شركتة الصغيره، التي تحولت فيما بعد إلى “العربي جروب” حتى أصبحت مؤسسة صناعية وتجارية كبرى، لكن صاحبها ظل كما هو؛ لا ينسى العمال، لا يساوم على الجودة، ولا يفصل بين الربح والضمير، وحبه لأعمال الخير ومساندة الفقراء والتبرع بسخاء لكل محتاج.
وكانت فلسفته البسيطة العميقة في التجارة.
«الفلوس بتيجي وتروح… إنما السمعة لو راحت ما ترجعش تاني».
لم يكن محمود العربي مجرد رجل أعمال، بل معلمآ للأخلاق الاقتصادية لأجيال كاملة.
ورغم اختلاف المسار بين السياسة والتجارة، فإن القاسم المشترك بين سيد جلال ومحمود العربي واضح وحاسم؛ فقد خرج الاثنان من قاع المجتمع إلى القمة، وصنعا تاريخآ لا يُنسى، وآمنا بأن المال أداة بناء لا وسيلة تعالي على الناس، وربطا النجاح بالعطاء الذي يترك أثراً يمتد بعد الرحيل.
لم يسعَ أي منهما إلى الأضواء، لكنها سعت إليهما، وبقيت تلاحق اسميهما حتى بعد الرحيل، بما قدماه من خير وعطاءٍ وحب للوطن.
ومصر اليوم لا تحتاج فقط إلى استثمارات وأصحاب مشاريع، بل إلى قيم التاجر الوطني الذي لا يحتكر ولا يستغل. لا تحتاج إلى مليارديرات أو مليونيرات جدد فقط، بل إلى مليونيرات أبناء بلد يفهمون معنى العدالة الاجتماعية، والمسؤولية الوطنية، واحترام حق المواطن الفقير ومحدود الدخل الذي يعاني وطأة الاستغلال والاحتكار.
“الفقر قد يرهق الدولة نعم. ولكن الجشع قد يسقطها.”

“الأثرياء الحقيقيون لا يُقاسون بما جمعوا، بل بما قدموا وتركوا.”
إن استدعاء سيرة النائب سيد جلال والحاج محمود العربي ليس حنينا إلى الماضي القريب، بل درس للمستقبل، ورسالة مباشرة للأثرياء الجدد: أنتم شركاء في بناء الأمة إن أحسنتم، وخطر داهم على أمنها القومي إن أفسدتم. فاعتبروا من دروس التاريخ، فالأوطان لا تنسى مواقف الرجال.
في تاريخ الأمم، لا يقاس العظماء بما جمعوا من مال ومناصب، بل بما قدموا للوطن وتركوا من أثرآ دائماً.
والنائب سيد جلال ترك مستشفى وقرارآ أخلاقيآ، والحاج محمود العربي ترك صناعة وطنية وسمعة طيبة لاتغيب ومواقف إنسانية لا تُنسى.
هؤلاء هم أثرياء مصر الحقيقيون الذين يُطلق عليهم «المليونير ابن البلد»… فالأوطان لا تُبنى بالأموال وحدها، بل برجال يعرفون أن الثروة مسؤولية قبل أن تكون امتيازآ، وبسواعد الشرفاء الذين يدركون أن قيمة الإنسان فيما يتركه من أثرٍ لا فيما يملكه من مال.
حفظ الله الوطن… وتحيا مصر قوية بوحدة أبنائها الشرفاء الأوفياء على مر الزمان.

img_٢٠٢٦٠١١٥_١٧٤٣٣٧2353160957637118551 سيد الأسيوطي.. يكتب "المليونير ابن البلد… لماذا تحتاج مصر إلى أثرياء يشبهون سيد جلال و محمود العربي؟"