سيد الأسيوطي يكتب:رمضان في مصر حاجة تانية… والسر في المحبة والوحدة الوطنية

سيد الأسيوطي يكتب:رمضان في مصر حاجة تانية… والسر في المحبة والوحدة الوطنية

رمضان في أي مكان عبادة…
لكنه في مصر عبادة وهوية، وروح تنبض في الشوارع قبل المساجد، وحالة إنسانية لا تشبه سواها.
فرغم كل الأزمات والظروف الصعبة المحيطة، ورغم ما نشهده أحيانًا من تجاوزات واستغلال واحتكار يقوم به بعض تجار الأزمات عديمي الضمير والإنسانية والوطنية، تظل روح رمضان في مصر عصية على التغيير، وكأنها جزء من طبيعة هذا الشعب الذي يعرف كيف يحافظ على إنسانيته مهما اشتدت الظروف.
ففي مصر لا يبدأ رمضان برؤية الهلال فقط،
بل يبدأ بابتسامة الجار لجاره، سواء كان مسلمًا لمسلم، أو مسلمًا لمسيحي، أو العكس، حيث الجميع إخوة وأحباب وشركاء في وطن واحد.
بل يبدأ الشهر الكريم بزينة تتدلّى فوق الحارات الضيقة والشوارع الواسعة، وبصوت مدفع الإفطار الذي ينتظره الجميع، فيتحول موعد الإفطار مع أذان المغرب إلى لحظة فرح جماعية تقول بصوت مرتفع يسمعه العالم أجمع نحن معآ نحن شعب واحد.
نحن في مصر بلد الأمن والأمان والاستقرار، حيث يظل رمضان مناسبة إنسانية لا تعرف الطوائف، ولا تفرق بين أبناء الوطن الواحد.
ففي مصر المتفردة دائمًا تصوم القلوب عن الكراهية قبل أن تصوم الأجساد عن الطعام والشراب، وكأن الصيام هنا ليس عبادة فردية فقط، بل تجربة إنسانية جماعية يعيشها المجتمع كله.
وهنا لا نتحدث عن كلمات تُقال أو شعارات تُرفع، بل عن مشاهد واقعية نراها بأعيننا في كل مكان مع قدوم الشهر الكريم.
فمئات القساوسة والرهبان يقفون في الشوارع قبل أذان المغرب، يوزعون وجبات الإفطار والتمر والعصائر على الصائمين، في صورة إنسانية صادقة أصبحت تقليدًا مصريًا أصيلًا لا نجده إلا في مصر.
وفي إحدى محافظات صعيد مصر، وهي محافظة المنيا، اعتادت إحدى الأسر المسيحية على مدار سنوات طويلة توزيع مئات الوجبات يوميًا طوال شهر رمضان، مشاركة منها لإخوانهم الصائمين فرحة بالشهر الكريم، وتجسيدًا لمعاني المحبة والتكافل.
وهذا إن دلّ فإنما يدل على عمق التراحم والتماسك والمحبة بين شركاء الوطن، ويؤكد أن مصر ليست مجرد جغرافيا أو أرض للتعايش السلمي، بل حالة إنسانية متفردة ممتدة عبر التاريخ.
هنا تتجلى حقيقة المصريين وعظمتهم، فالمحبة والوحدة الوطنية ليست شعارآ سياسياً ولا عبارة احتفالية، بل ثقافة ضاربة في الجذور.
فمنذ أن دخل الإسلام إلى مصر على يد عمرو بن العاص، وبترحاب ومباركة الشعب المصري من الأقباط في ذلك الوقت، تشكلت شخصية هذا الوطن على أساس من المحبة والتسامح والتعايش.
عبر عصور.
وعن تجربة شخصية عايشناها مراراً وتكرارآ، تبقى صور رجال الدين من الجانبين وهم يتبادلون التهاني ويشاركون الناس الإفطار شاهدًا حيًا على أن المحبة في مصر أفعال وليست أقوال.
فحين يجلس المسلم والمسيحي على مائدة واحدة في شهر رمضان، وفي غيره من المناسبات، لا يفعلان ذلك مجاملة أو دعاية، بل لأنهما يشتركان في وطن واحد… ومصير واحد.
أما السر الحقيقي فليس في الزينة والفرحة العارمة لاستقبال شهر رمضان.
ولا في المسلسلات ولا الطقوس الدينية.
ولا حتى في الأطعمة والمشروبات.
بل في الإنسان المصري نفسه…
ذلك الإنسان الذي استطاع عبر القرون أن يحول الدين إلى محبة، والعادات إلى روابط، والمناسبات إلى جسور تجمع ولا تفرق.
ولهذا فإن رمضان في مصر حاجة تانية… حاجة حلوه بمعنى الكلمة.
لأن مصر نفسها حاجة تانية ( بلد جميلة )، لا تشبه أحدًا ولا يشبهها أحد عبر مر العصور.
فليس غريبا أن يشعر المصري بالغربة إذا قضى رمضان خارج وطنه، لأن رمضان في مصر ليس مجرد شهر… بل ذاكرة وطن، وروح شعب، وحكاية محبة لا تنتهي.
وكل عام ومصر بخير،
وكل عام ووحدتها الوطنية أقوى،
وكل عام والمحبة هي الأصل.
حفظ الله الوطن وتحيا مصر بوحدتها دائماً وأبدأ.

img_٢٠٢٦٠١٠٥_١٧٥٦٥٢2381790930681817155-1024x1024 سيد الأسيوطي يكتب:رمضان في مصر حاجة تانية… والسر في المحبة والوحدة الوطنية