سيد الأسيوطي .. يكتب .. رمضان بين العبادة والاستغلال والاستهلاك
يأتي إلينا شهر رمضان الكريم كل عام حاملاً المعاني ذاتها؛ معاني الرحمة والتقوى والمغفرة، ومراجعة النفس، ومحاولة أن نصبح أفضل. لكن من ينظر إلى أحوال مجتمعاتنا اليوم يلاحظ أشياء غريبة لم نعهدها من قبل.
فمع اقتراب رمضان تمتلئ الأسواق قبل المساجد، وترتفع أسعار المنتجات وقوائم الشراء قبل أن ترتفع الأيدي بالتضرع والدعاء إلى الله. وكأننا، دون أن نشعر، حوّلنا رمضان من شهرٍ للعبادة والرحمة وتهذيب النفس إلى موسمٍ للاستغلال والاحتكار والاستهلاك.
لم يعد الاستعداد لرمضان عند بعض الناس يعني تهيئة النفس والقلب لاستقبال الشهر الفضيل كما يعلمنا ديننا الحنيف، بقدر ما أصبح يعني تخزين الطعام ورفع الأسعار بصورة مبالغ فيها، دون النظر إلى أحوال البسطاء الذين يمثلون الغالبية العظمى من الشعب.
لا أحد ينكر أن المواسم الدينية لها دور كبير في تنشيط التجارة وتحريك الأسواق، وهذا أمر طبيعي لا خلاف فيه. لكن المشكلة تبدأ عندما يحوّل البعض الشهر الفضيل إلى فرصة للربح بأي ثمن دون النظر إلى الأبعاد الأخرى، حتى وإن كان ذلك بطرق استغلالية أو احتكارية غير مشروعة، محرّمة دينياً ومجرّمة قانوناً، أو عبر سباقٍ إعلاني فجّ، وشاشة مزدحمة بالمسلسلات والبرامج غير الهادفة التي تُضعف ثوابت المجتمع وتشغل الكثيرين عن العبادة وروح رمضان السمحة المباركة.
والأخطر من ذلك ما يحدث من استعراضٍ لأعمال الخير أمام الكاميرات بطرق غريبة، عبر إعلانات مستفزة تستغل الفقراء والمحتاجين وتهدر كرامتهم دون وازع ديني أو أخلاقي أو إنساني. فالصدقة التي تُعطى في الخفاء وتحفظ كرامة المحتاج أعظم ألف مرة من مبادرات استعراضية تبحث عن الضوء والربح فقط، حتى وإن كان ذلك على حساب آلام ودموع الآخرين.
لقد فُرض علينا الصيام ليعلّمنا الشعور بالفقراء واليتامى والمحتاجين من باب التكافل الاجتماعي، دون المساس بكرامتهم أو جرح مشاعرهم. هكذا تعلمنا أن رمضان شهر الطاعة والمحبة والرفق بالآخرين، لا شهر الاستغلال والاحتكار والاستعراض.
إن ما نشاهده اليوم من ظواهر غريبة دخلت مجتمعاتنا في غفلة يحتاج إلى علاج فوري وردعٍ حقيقي؛ فلو تُركت دون التصدي لها، فقد تتحول إلى خطرٍ يهدد أمن المجتمع واستقراره.
ومع ذلك، فإن روح رمضان ما زالت حاضرة داخل مجتمعاتنا، ولن تختفي بإذن الله مهما حاول الخبثاء والمفسدون، أعداء الإنسانية.
ما زلنا نراها في صفوف المصلين في التراويح، وموائد الرحمن، وفي يدٍ خفية تحنو على يتيم، أو تترك طعامًا على باب أسرة فقيرة لإسعادها، وفي إنسانٍ قرر أن يبدأ صفحة جديدة مع الله.
عزيزي القارئ،
شهر رمضان لم يتغير… ولكننا نحن من تغيرنا. ما زال شهر الخير والكرم والجود والبركات، وسيبقى بعون الله، لكنه يحتاج أن نعيد ترتيب أولوياتنا، وأن نعيد لرمضان روحه الطاهرة التي عهدناها: عبادة، وتكافل، وفرحة صادقة تغمر الجميع دون استثناء؛ الفقير قبل الغني، والضعيف قبل القوي.
ويبقى السؤال الأهم:
هل نستطيع أن نستقبل رمضان بقلوبٍ صائمة عن الأنانية وحب الذات قبل أن تصوم عن الطعام والشراب؟
فرمضان الحقيقي لا يُقاس بما على المائدة من طعام أو بما يُعرض على الشاشات، بل بما يتغير داخل القلوب؛ فإسعاد اليتامى والأرامل والفقراء، وجبر الخواطر، أسمى وأجمل آيات هذا الشهر الكريم. هكذا تعلمنا، وهذه هي دعوة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.
فاعتبروا يا أولي الألباب.
أعاده الله على الجميع شهر رمضان المبارك بالتقوى والعمل الصالح والخير والبركات.




