فجوة السياقات اللغوية

كتب\ محمد فهمي
يجب أن نُقرّ جميعاً بأن السياق اللغوي في المجتمع أصبح متضارباً ، قديماً ونحن نعلم أن اللغة العربية على ثلاث مستويات ( الفصحي – الفصحي عامية – العامية الدارجة ) ولكن الذي لم يدركه أحداً تقريباً أنه على المتسوى العامية الدارجة ظهر أيضاً مستويان ربما لم يتم ذكرهما في المنصات العلمية ، ولكي تدرك وتفهم جيداً مقصدي من مستويات العامية الدارجة والفروقات اللغوية بينهما تأمل العامية التي كنا وما زلنا نتحدثها نحن ، والعامية التي يتحدثها الأبناء اليوم ! ، ومن هنا عزيزي القارئ من الممكن أن تعتبر أن من هنا هي بوابة المقالة ولُب الحديث.
هل رأيت نفسك كم تكون متعجباً من فجوة إرتفاع الأسعار نتيجة للتضخم العالمي والذي يزداد بشكل مستمر على مدار العام مرة تلو الأخرى؟ تقول حينها كيف ذلك وكانت منذ عام كذا وكذا ، تشعر وكأنك مررت بفجوة زمنية كبيرة وليس عامٍ قد مضى، لا تندهش فتعجبك في محله تماماً ، وكذلك السياقات اللغوية بين الناس حالياً نعيش فجوة مماثلة لفجوات التضخم التي تتكرر كل عام بتغير الظروف والأحداث ، كذلك الناس تتغير السياقات اللغوية بشكل كبير ومستمر وخاصة قاعدة الشباب والأبناء العريضة والتي نراها في الأبناء اليوم ماذا يقولون أو يسمعون أو يرددون ، ما هي المصطلحات التي يتم تداولها بين الشباب سندرك أن هناك فجوة بين المعجم العامي المتعارف بيننا وبين معجمهم الذي يتداولونه والذي لم يصنف ويدرج تحت لواء العامية.
ليت الأمر يقتصر على المحادثات فقط وكل يتحدث ويُخاطب حسب معجمه ، ولكن المشكلة تكمن عندما نجد صاحب “العامية القديمة” و دعوني أسميها هكذا العامية القديمة ، والأبناء اليوم ومحادثاتهم بالعامية الحديثة التي لا يفهمها الكثير من أصحاب العامية القديمة ، فنجد من يتحدثون بالعامية القديمة ربما يشمئزون من بعض الألفاظ والمصطلحات أو الكلمات ، غريبة على مسامعهم ، وربما ينفرون منها ويتأذون ويضايقون ، في حين أن هذه الكلمات أو الألفاظ بالنسبة لأصحاب العامية الحديثة هي كلمات عادية تماماً وأن الآخرين اصحاب المنهج القديم ربما يبالغون بعض الشيء في ردود أفعالهم تجاه كلماتهم ، وهنا نجد فجوة في التواصل والتفاهم وتقبل الآخرين وإنشاء قنوات حوارية بين الناس في الحياة اليومية ، وهل يقتصر الأمر عند التواصل ومسألة المعجم القديم أو الحديث؟
بالطبع لا، فالتواصل الصحيح يتم إما عن طريق الكلام أو الأفعال ، وطالما الكلمات طرأ عليها التغيرات ولو بشكل ليس بالكثير نجد أيضاً أن الأفعال أيضاً تتغير ، وما أصبح غير عادياً سابقاً نراه الآن عادياً تماماً ومن ينكره يصبح هو الشخص العجيب وليس التصرف ، بل وزد على ذلك أنه الآن يطلق على تلك الأفعال مسميات حتى أصبحت متعارفة ومقبولة ولا مجال لإنكارها ورفضها والأمور بيننا نراه عياناً بياناً لا مجال لإنكارها.
ما الذي دعاني إلى الحديث في مثل هذه القضية ؟
باختصار شديد هو أنني تلمست ورأيت الكثير من المواقف التي فيها مثل هذا النفور بين الفئتين أصحاب المذاهب القديمة والحديثة ، وجدت نفوراً بينهما على المستويات الثلاث ( الفكري والكلامي والفعلي ) وهذا النفور يخلق حائطاً بين الفئتين مما يجعل التفاهم بينهما وتقبل الطرفين كل منهما الآخر في مراحل حرجة فيخلق تنازعاً وتباعد مادي وجوهري نحن في غنى عنه ، فلا تتعجب عندما ترى ما هو كان غير مقبول في زمنك مقبولاً الآن أو تسمع كلمات قد تزعجك بعض الشيء وتستنكرها وتجد أنها تتردد بين الحين والآخر هنا وهناك ، ولكن أيضاً لا أقول لك أترك السفينة تأخذها الريح كيفما اشتهت ، فلا يصح إلا الصحيح ، ننكر ما ليس صحيحاً ولكن بشكل لا يخلق كرهاً ولا يخلق فجوات تؤثر على ترابط الأسرة وأفرادها أو المجتمع ومواطنيه.





